هذا العنوان هو الذي اختار نفسه .. كنت أنوي كتابة العنوان «موسم الهجرة إلى الحوار» فوجدتني أكتبه «..إلى الجنوب» .. وحين أبقيته تساءلت، هل هناك علاقة بين الحوار والجنوب؟ .. أم أنها ظلال رحيل صاحب رواية موسم الهجرة إلى الشمال «الأديب العربي السوداني الكبير الطيب صالح» الذي بدا عنوان روايته دعوة للحوار مع الشمال؟
خاصة أن علاقة «طيبة وصالحة» جمعتني به أكثر من مرة الأولى في «الدوحة» والأخيرة في «أبوظبي»، عندما هاجر مجبرا من الخرطوم إلى الدوحة، ثم هاجر مختارا إلى الشمال في لندن، ثم هاجر أخيرا من الشمال إلى الجنوب في نهاية رحلة العمر، ليدفن في وطنه السوداني العربي الأفريقي الإسلامي بكل التكريم الشعبي والرسمي.
غير أن العلاقة الأكبر بين الحوار والجنوب بدت تكشف أكثر من تأثير بداية هبوب «رياح التغيير» من مركزها في العاصمة الأميركية واشنطن ومن عدة عواصم أوروبية توجها نحو الجنوب، في لحظة تحول ظاهرة في العلاقة بين الشمال والجنوب، تنتقل تدريجيا من سوء الفهم وحالة العداء الشمالية الغربية الأميركية والأوروبية غير المبررة المترتبة عليه تجاه المنطقة الجنوبية الشرقية العربية والإسلامية، إلى بداية جديدة تفتح الأبواب للحوار بدلا من الشجار، وللمفاوضات بدلا من العقوبات، توفيرا لإمكانية الفهم الغربي الصحيح لقضايا العرب والمسلمين على أساس الاحترام المتبادل، والتعاون المتبادل على أساس المصالح المشتركة.
وترجمة ذلك ما تنقله الأخبار حاليا من حركة غربية غير مسبوقة من الوفود البرلمانية الأميركية والأوروبية إلى العواصم العربية والإسلامية المختلفة المتصلة بالصراع العربي الصهيوني خصوصا تلك العواصم التي كانت تعاديها واشنطن وتقاطعها أوروبا إنحيازا لإسرائيل مثل دمشق وطهران.
وليس أدل على ذلك من زيارات غربية كثيرة من و إلى القاهرة، و دمشق، إلى درجة زيارة أربعة وفود برلمانية لسوريا في عشرين يوما فقط آخرها زيارة رئيسا لجنتى العلاقات الخارجية بمجلسي النواب الشيوخ الأميركيين «جون هيوارد» و«جون كيري» مرشح الرئاسة السابق ضد بوش.
ويتوازى مع ذلك من الجنوب إلى الجنوب من حركة عربية غير مسبوقة تتمثل في مساعي المصالحة العربية والمصالحة الفلسطينية التي من المقرر أن تبدأ في القاهرة اليوم بوساطة مصرية ورعاية عربية، والمصالحة السودانية الجارية حاليا في الدوحة بوساطة قطرية ورعاية عربية أفريقية.. وربما يجري ذلك كله بتأثير سياسة «التغيير» الأميركية الإيجابية نحو الحوار السياسي فتحا لأبواب المفاوضات التي يبشر بها «أوباما»، وأيضا بتأثير سياسة «التغيير» الإسرائيلي نحو الحوار العسكري التي يهدد بها «نتنياهو».
والأهم من هذه الحركة الغربية إلى العواصم العربية، هو كسر الأبواب المغلقة مع غزة المحاصرة بتلك الحركة الأميركية والأوروبية الشعبية والحقوقية والبرلمانية، خصوصا تلك القافلة البرية الأوروبية بقيادة النائب البريطاني البارز «جورج جلوى»، التي نجحت في فتح الحدود العربية المغلقة بين المغرب والجزائر في الطريق إلى غزة لفتح المعابر المغلقة.
بالإضافة إلى ذلك الاتصال السري والعلني مع حكومة «حماس» وتبادل الرسائل الشفوية والمكتوبة بين الرئاسة في واشنطن والحكومة المقالة في غزة، والاتصالات الجارية مع شخصيات برلمانية أوروبية وعربية، تجاوزا للخطوط المحرمة غربيا وعبريا وأحيانا عربيا، فيما يشير ذلك أيضا إلى موسم هجرة نحو الحوار من الشمال إلى الجنوب.