تشير متابعة أوباما خلال الشهر الذي قضاه في الحكم إلى أن التغيير الذي أدخلته إدارته لايزال محدودا وأن الإدارة لاتزال في سياستها الخارجية تدور في الواقع في إطار المنظومة الفكرية نفسها التي كانت موجودة في عهد بوش. صحيح أن هناك تحولا إيجابيا في الخطاب السياسي- الذي صار أقل غطرسة- فضلا عن بعض التغيير في التفاصيل هنا وهناك، إلا أن جوهر السياسة لايزال يقوم على المنظومة الفكرية نفسها التي لم تتعرض لتحولات جوهرية.
خذ مثلا مسألة (الحرب على الإرهاب). فتلك الحرب كانت قد استخدمتها إدارة بوش ذريعة اعتبرت نفسها بموجبها لا فقط فوق القانون الدولي وانما فوق القانون الأميركي ذاته. وقامت بناء على ذلك بإباحة التعذيب والترويج له وأنشأت المعتقلات السرية وأباحت لنفسها الإلقاء بالبشر في غياهب السجون إلى أجل غير مسمى ودون اتهام ولا محاكمة.
وفى هذا الصدد، شهدت الأيام الأولى لإدارة أوباما بوادر طيبة إذ أصدر الرئيس الجديد قرارا تنفيذيا بإغلاق معتقل جوانتانامو والسجون السرية التي أنشئت حول العالم. ولكن ما إن مرت أسابيع قليلة حتى رسبت إدارة أوباما في امتحان تلو الآخر يختبر عمليا جديتها في هذا الصدد.
ففى قضية منظورة أمام المحاكم الفيدرالية باسم أحد الذين تعرضوا للتعذيب، استخدمت إدارة أوباما ما يسمى (أسرار الدولة) لمطالبة المحكمة بعدم نظر القضية أصلا وهى بالضبط المقولة التي طالما استخدمتها إدارة بوش في القضايا المماثلة. وفى الحقيقة فإن التذرع بما يسمى (أسرار الدولة) ليس جديدا في ساحات القضاء الأميركية. فقد استخدمته إدارات سابقة كثيرة.
إلا أن الفارق الأساسي هو أن تلك الإدارات السابقة كانت تستخدم ذلك المسمى من أجل حجب معلومة أو أكثر عن المحاكمة لأسباب تتعلق بالأمن القومي. أما إدارة بوش فقد توسعت بشكل غير مسبوق في تعريف (أسرار الدولة) ولم تستخدمه لحجب معلومات عن المحاكمة الجارية وإنما للمطالبة بعدم نظر القضية أصلا أمام المحاكم.
الخطير فيما فعلته إدارة أوباما هو أنها كررت بالضبط ما كانت تفعله إدارة بوش، أي استخدمت أسرار الدولة بالمنطق نفسه للإلقاء بالقضية برمتها خارج المحكمة، وهو الأمر الذي أثار قلقا شديدا في أوساط الحقوقيين الأميركيين بل ولدى بعض أعضاء الكونجرس الذين تحركوا فورا لإصدار تشريع يقنن المسألة، (وهو التشريع الذي لايزال قيد النظر في المؤسسة التشريعية الأميركية).
وفى واقع الأمر لم تكن تلك الواقعة وحدها هي التي أثارت القلق وطرحت التساؤلات حول حدود التغيير إذ جاء في جلسات الاستماع الخاصة بالتصديق على تعيين عدد من رموز الإدارة أيضا ما لفت الانتباه إلى أنهم لا يعارضون مسألة إرسال المعتقلين إلى دول أخرى لاستجوابهم.
والجدير بالذكر أن هذا البرنامج كان أيضا موجودا قبل إدارة بوش ولكن الأخيرة أساءت استخدامه. فبعد أن كان يتم إرسال المعتقلين لدولهم الأصلية (لمحاكمتهم) صار يتم إرسالهم في عهد بوش (لاستجوابهم) وفق تقنيات تتضمن التعذيب البدني والنفسي.
بعبارة أخرى، فإن حجم التغيير الذي حدث فيما يتعلق بالقضاء على ميراث بوش الخاص بانتهاكات حقوق الإنسان في إطار ماسمي الحرب على الإرهاب لم يشهد حتى الآن تحولا جذريا. والأمر يصدق أيضا على الاستخدام الأميركي للقوة الغاشمة كوسيلة رئيسية في تلك (الحرب على الإرهاب).
ففي الوقت الذي تم فيه الإعلان عن إرسال قوات إضافية لأفغانستان فقد تم في الواقع التوسع في العمليات العسكرية التي تنفذها المخابرات الأميركية وفرق القوات الخاصة داخل الأراضى الباكستانية.
ولا جديد في ذلك في حقيقة الأمر، فأوباما في حملته الانتخابية كان واضحا في أسباب معارضته لحرب العراق. فهو لم يعارضها لأنها ضد القانون الدولي وانما لأنها حرب (غبية) على حد تعبيره. ومن هنا فإن الطابع الإمبراطوري للسياسة الأميركية لم يتعرض لأية مراجعة من جانب أوباما.
ولعل الأمر لا يختلف كثيرا إذا ما نظرنا حتى إلى قضايا الشرق الأوسط. فلا تزال إدارة أوباما تنطلق من الرؤى نفسها التي انطلقت منها إدارة بوش. فعلى سبيل المثال، رغم أن أوباما أعلن أنه سيولي اهتماما خاصا لمسألة التوصل لتسوية سياسية للقضية الفلسطينية، إلا أن المرء يستطيع أن يلمح وجودا ملحوظا للأسس الفكرية التي حكمت تعاطي إدارة بوش مع الموضوع.
فرغم أنه من البديهي أن أي اتفاق سلام لا يضم حماس التي تسيطر على غزة لن يكتب له الاستمرار فإن إدارة أوباما لاتزال بمنطق (المحاور) الذي استخدمته إدارة بوش والذي يقوم على عزل أطراف إقليمية ودعم أخرى.
فقد تحدث أوباما نفسه عن (عزل حماس) وهو تعبير استخدمته رموز أخرى في إدارته. وهو منطق ليس واقعيا إذا ما كان الهدف هو التوصل فعليا إلى تسوية. بل أكثر من ذلك، فإن المنطق الإسرائيلي الذي تبنته إدارة بوش لايزال هو المنطق الذي تتعامل به إدارة أوباما مع المبادرة العربية.
صحيح أن إدارة بوش تجاهلت المبادرة بينما أثنى عليها أوباما واعتبر أنها حجر زاوية مهم يمكن البناء عليه، إلا أنه استخدم في تصريحاته بشأنها منطقا يقلبها على رأسها ويفرغها من محتواها ويضع عبء تحقيق السلام على العرب ويعفي إسرائيل من أية واجبات في المقابل. فقد دعا أوباما في تصريحاته الدول العربية بالقيام فعلا لا قولا بالمضي قدما في خطوات التطبيع مع إسرائيل!
بعبارة أخرى، حين أعلن العرب من خلال المبادرة أنهم على استعداد للتطبيع مع إسرائيل، كان ذلك مشروطا بقبول الأخيرة بحل الدولتين والانسحاب إلى حدود 1967 فضلا عن استعادة كل الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك القدس.
فإذا بالإدارة الأميركية الجديدة تطالب العرب بالقيام بالتطبيع قبل قبول إسرائيل بأي من ذلك. أي مطلوب من العرب تنفيذ المبادرة مجانا ، وبعبارة أخرى، رغم أن إدارة أوباما حريصة على أن تؤكد في كل مناسبة على اختلافها عن سابقتها.
إلا أن الواقع العملي يؤكد أن هذه الإدارة لم تقم حتى الآن بمراجعة جدية للأسس الفكرية التي قامت عليها سياسات بوش. ولا يزال من السابق لأوانه الحكم على ما إذا كانت الإدارة سوف تستمر في نهجها الحالي خصوصا وأنها أعلنت أن الكثير من الملفات لا تزال قيد الدراسة، ولكن بدون مثل تلك المراجعة الجادة للأسس الفكرية فسوف يظل الاختلاف عن إدارة بوش اختلاف في التفاصيل فقط.
كاتبة مصرية
