فرحتُ قبل أيام لقرار صدر عن وزير الداخلية اللبناني يسمح فيه لأبناء وطنه بعدم التصريح عن انتمائهم الطائفي في سجلات الأحوال الشخصية، ويحثهم فيه على الطلب من مأموري النفوس بشطب هذا الانتماء من كافة الوثائق الثبوتية. وقد تعزز هذا الفرح لدي بنسبة معيّنة من التفاؤل في مستقبل هذا البلد وإمكانية تخطيه للعقبات الكثيرة التي يواجهها بين الفينة والأخرى، معتمدا في ذلك على سلسلة من المعطيات وهي:
- إن قرارا جريئا مثل هذا يتم تبنيه بشكل علني من قبل مسؤول رفيع المستوى ربما لأول مرة في تاريخ لبنان، حيث إن مواقف مماثلة لم تكن تصدر بهذا الوضوح المنطلق من حرص وطني إلا وراء الكواليس وبخجل كبير أحيانا.
- إن القرار لم يكن وليد الصدفة، بل تتويجا لتحرك آخر بدأته بعض مؤسسات المجتمع المدني التي اقتنعت أخيرا بأهمية موقعها في المجتمع اللبناني وبالتالي ضرورة انضمامها الفعال إلى دائرة العمل الضاغط المكمّل بشدّة للحياة الديمقراطية الحقيقية، لا سيما في هذا الظرف الدقيق الذي يمر فيه الوطن.
بالتأكيد، فإن خطوة حساسة مماثلة لن تمر مرور الكرام ودون تبعات مختلفة، حيث إن وباء الطائفية متأصل في التفاصيل الدقيقة للمجتمع اللبناني بدرجة كبيرة، وهو متفرع في شرايين الوطن ومسيطر على مكامن التفكير والإحساس معا.
وحتى لو ثبتت بالدلائل الدامغة أن نسبة الضرر الذي يسببه الانتماء الطائفي على تطور المجتمع وتقدمه هي كبيرة وخطيرة فعلا، فإن أبناء هذا البلد بحاجة على ما يبدو لفترة نقاهة طويلة جدا لكي يتمكنوا من هضم واستيعاب الحقائق الصارخة المرتبطة بهذا الواقع الجديد. فهؤلاء لم يستفيدوا بعد من العبر الكثيرة التي شكّلت فواصل مهمة في تاريخ الوطن، ولم يقتنعوا بالقدر الكافي أن التجارب الدموية التي عانت منها الأجيال المختلفة لم تكن لتحدث لولا هشاشة الانتماء وتقاسمه أصلا بين الوطن والطائفة.
فهل نحن حقا أمام مرحلة جديدة من الممارسة الديمقراطية التي تسعى لخلق واقع متطور في الواقع اللبناني، أم أنها مجرد زوبعة في فنجان يتشابه شكله إلى حد ما مع الأحياء والزواريب التي تحفل بها الساحة السياسية في هذا البلد؟
بجميع الأحوال، يبدو التطور واضحا في تفاصيل الحركة المذكورة انطلاقا مما سبق ذكره حول تقاسم الأدوار بين المجتمع المدني من جهة وأحد المسؤولين الرسميين من جهة أخرى. ولربما تتقدم هذه الحركة في المستقبل من خلال تعزيز التناغم بين الطرفين، هذا إذا تمكنت القوى المدنية المعنية من جذب عدد أكبر من المسؤولين، بل قد يكون أفضل بطبيعة الحال لو برز بين القوى السياسية الأصيلة من يكون قادرا على حمل هذه الراية والدفاع عنها ضمن برامجه الحزبية والسياسية.
حتى الآن لم تتمكن القوى الحزبية الفاعلة في المؤسسات الرسمية من تبني شعارات جدية وثورية بكل معنى الكلمة تحمل في طياتها مشروع تغيير حقيقي فيما يخص القضاء على الطائفية السياسية.
بالرغم من أن نفس القوى زعمت في السابق ولا تزال، إن كان من خلال تمسكها بما يعرف باتفاق الطائف أو غيره من الاتفاقيات اللاحقة، حرصها على إلغاء التمثيل الطائفي تدريجيا. أما القوى العقائدية العلمانية فلا تزال متسكّعة في الشوارع المؤدية إلى المؤسسات المعنية من برلمان وغيره، ولم تتمكن حتى الآن من الوصول بأمان وثبات إلى داخلها أو حتى إلى فرع من فروعها.
وهذا بحد ذاته يعكس خطورة الوضع القائم في لبنان على صعيد الانتماء الوطني، حيث إن جميع القوى التي تدافع عن شعارات مرتبطة بهذا الانتماء، إنما تفعل ذلك من خلال انحيازها الطائفي أولا، وتستخدمه كمحرك لدفع عجلة مسيرتها الحزبية نحو أهداف مختلفة الأبعاد والتوجهات، لكنها بعيدة في واقع الأمر عن الهدف السامي المتجسد ببناء وطن.
كما إن فشل الأحزاب العلمانية الحقيقية بتسويق فكرة بناء الدولة الحديثة إنما ينطلق من حقائق مرتبطة بما سبق ذكره عن تجذر الفكر الطائفي في النفوس، لكن أيضا بفشل تلك الأحزاب على تقديم نفسها كأطراف وطنية فاعلة بما يحمله هذا الوصف من معانٍ أصيلة بعيدة عن الانتماء الطائفي المريض. وبعض تلك الأحزاب ممّن تعتبر نفسها أحزابا تقدمية أو غير ذلك، إنما تمارس للأسف سياسة واضحة في انحيازها الطائفي، فتسقط مجددا في أفخاخ اللعبة الخطيرة بدلا من أن تسعى بكل قواها لتكون قدوة لإحداث التغيير.
لعل المهم في ما نرصده حاليا في لبنان هو أن المجتمع المدني قد نفض غبار الركود الذي كان يعتري نشاطه في السابق، وقرر الانتماء بفعالية أكبر إلى اللعبة الديمقراطية الحيوية التي يعتبر جزءا أساسيا منها.
ولقد تعلمنا من التجارب الكثيرة في المجتمعات الديمقراطية الراقية، أن مؤسسات المجتمع المدني تشكل أساس الحركة الضاغطة لتحقيق التغيير نحو الأفضل، وهي التي تراقب أداء السلطات التنفيذية والقوى الحزبية وغيرها، ومنها تنطلق المبادرات الهادفة لإقناع الرأي العام بصواب حركة الانتقال نحو الأفضل.
وفي لبنان فإن الوضع يتطلب حتما مضاعفة هذا الجهد، لأن القوى الحزبية ؟ الطائفية أكلت الأخضر واليابس وسيطرت على مقدرات البلد بكافة تفرعاتها، فلم يعد من مجال لتحقيق أي تطور حقيقي إلا انطلاقا من التفاصيل الطائفية المملة التي قد تكون مفيدة مرحليا لكنها مدمّرة حتما في المدى الاستراتيجي البعيد.
وكل ما نشهده من تقاسم وظائفي ومصلحي بين تلك الطوائف وانعكاس ذلك بشكل سلبي على الأداء العام للمؤسسات، إنما يشكل دليلا آخر على ضرورة العمل من أجل لجم الاندفاع الطائفي والبدء بتوجيه الوطن نحو سكة الأمن والاستقرار الحقيقي المتمثل أولا بإلغاء الطائفية السياسية، ومن ثم بناء المجتمع الحديث القادر على مواجهة التحديات الكثيرة.
كاتب لبناني
