الحوار الفلسطيني، المزمع عقده في القاهرة بعد غد؛ ما زال في المنطقة الرمادية. لا التأكيد الحاسم على المشاركة، حصل. ولا الرفض القاطع، كان له أثر. الدعوات توجهت. الفصائل أعلنت تسلّمها. الردود، خاصة من «فتح» و«حماس»، غابت عنها الشروط المسبقة الصريحة. لكنها لم تصل بعد إلى نقطة إعلان الالتزام بالموعد. بعضها يواصل الحديث عن مطالب، يرغب في ضرورة تلبيتها؛ قبل الجلوس على الطاولة.
أن يصار إلى تحقيق هذه الرغبة، قبل أو أثناء الحوار؛ لا فرق. المهم أن يتم افتتاح الجولة الموعودة، في وقتها ولا ينتهي الأمر إلى التأجيل، مرة أخرى. ما عاد هذا الموضوع يتحمّل الترحيل. ولا اللحظة الراهنة، الضاغطة أكثر من أي وقت مضى، تسمح بهذه اللعبة.
طالت سيرة الحوار، أكثر من اللازم.
تأخر حصوله، من دون مبرر. الفترة التي شطحها، زادت من تعقيداته. عمّقت من الشكوك ومن فجوة التباعد؛ بين غزة ورام الله. والخسائر فادحة، ليس أقلها أنها سهّلت الأمور على سياسة الاستفراد الإسرائيلية؛ بحيث تمادت الاستباحة للشعب الفلسطيني وأرضه وحقوقه الإنسانية. الانفلات الإسرائيلي العدواني، تضاعف في الاستيطان والحصار والاغتيال، بلغ ذروته في مجزرة غزة. ثم بشروطه وتعجيزاته، لفك الحصار عنها وفتح معابرها.
وأخيراً بنسفه لصيغة التهدئة، قبل إعلانها بساعات؛ بعدما كان قد تمّ التوافق على كافة نقاطها. العدوان، فرض على الوضع الفلسطيني، نوعاً من العودة إلى المراجعة. خاصة بعد فوز عتاة العنصريين الإسرائيليين، في الانتخابات. هو يدرك تماماً أن مثلث نتنياهو ? ليبرمان ? ليفني، ليس في جعبته غير السموم. الأول لا يرى في الفلسطينيين غير قنابل بشرية.
الثاني، يتحدث صراحة عن ترحيلهم. والوزيرة أثبتت جدارتها الدموية، في حرب حكومتها على غزة. هذا الجديد في المشهد الإسرائيلي، معطوفاً على الحالة المعروفة في القطاع؛ كان لا بدّ وأن يدفع باتجاه تسهيل الطريق إلى غرفة الحوار الفلسطيني. لهجة الخطاب والليونة في لغة الشروط، كما في أجواء التجاوب؛ كلها تدل على أن الطريق إلى الطاولة، صارت تقريباً سالكة. الحلحلة واضحة، هذه المرة، مقارنة بالمرات السابقة؛ التي كان فيها موضوع الحوار ينتكس في اللحظة الأخيرة.
ما تردّد عن حصر الجولة الأولى بالفصيلين؛ «لكسر الجليد»؛ لا يضير؛ ولو أن اللحظة هي لتذويب هذا الجليد وليس فقط لكسره. آثار العدوان لا تزال جاثمة. تهويد القدس أخذ دفعة جديدة، بإخلاء ثمانين منزلاً فلسطينياً لهدمها. وحكومة صقور الحرب على الأبواب. الأهم من مباشرة الحوار هو ختمه، من دون تأخير، بالعودة إلى سكّة التوافق الوطني.
