بينت الحوادث التاريخية التي وقعت بعد الوحدة السورية المصرية أن هذه الأخيرة قد وضعت أسس هيمنة العسكر، وإلغاء السياسة من المجتمع. فالوزارات الأساسية تقلدها الضباط. والجيش له حضور وازن في السياسة، ودولة الوحدة حلت الأحزاب السياسية، وبدأت تنزع مؤسسات المجتمع المدني.
إذا كانت الوحدة العربية هي مشروع قومي معاد للاستعمار، ومتصادم مع القوى الغربية والصهيونية، وتعبيراً عن عملية تاريخية لها تأثير على الوجود السياسي للأمة التي تنزع إلى التحرر والاستقلال، فإن تجسيدها الواقعي لا يتحقق إلا في سيرورة بناء مجتمع مدني حديث يتسع ويشمل جميع القوى والأحزاب السياسية والتيارات الفكرية المتمحورة حول حل مسألة الوحدة العربية حلاً ديمقراطياً، بصرف النظر عن أيديولوجيتها، وبرامجها السياسية، وأهدافها وتركيبها الاجتماعي وأساليب عملها.
وكذلك بناء دولة ديمقراطية حديثة يفسح مجالها الحقوقي والسياسي لهذه الأحزاب حرية العمل والتعبير السياسيين، باعتبارها تمثيلات سياسية هي جزء من الحركة السياسية الجامعة للأمة العربية، وتعبر عن قوة اجتماعية هي جزء من الشعب، تتطلب والحال هذه أن يكون لها جميعها حقوق متساوية، وأن يكون لها دورها في نشر الوعي القومي الديمقراطي، وفي طرح برنامج لتحقيق الوحدة.
وعلى الرغم من أن عبد الناصر حقق أوسع شعبية من خلال بناء دولة وحدوية ذات نزوع وحدوي، ومتطابقة هويتها مع هوية المجتمع، حيث أن السلطة يقودها حكام عرب، وذات صفة وطنية وتمثل الأكثرية الشعبية ــ رغم أنها لم تكن منتخبة إلا أنه كان هناك التفاف شعبي حولها ــ فإنه عجز عن تحقيق وحدة القوى والأحزاب السياسية المنظمة، وخلق الجبهة القومية المتحدة.
وكان قصور الحركات القومية في وعي مسألة الوحدة العربية حال دون رؤيتها لمفهوم الوحدة كمفهوم أوسع يشمل جميع التيارات والأحزاب السياسية التي تعمل في المجال الفكري السياسي للأمة، ما لم تكن أيديولوجيتها مضادة للوحدة.
وأن الوحدة مفهومة فهماً جدلياً سياسياً وتاريخياً لا تتحقق إلا على قاعدة احترام واقع التعدد والاختلاف والتعارض بين الأفراد والجماعات، والطبقات الاجتماعية داخل الأمة العربية، وعدم إنكار التعارضات الاجتماعية الملازمة لها ولا سيما الصراع الاجتماعي، ولذلك أخفقت أيضاً في إنجاز أي مشروع وحدوي، وفي الدفاع عن الوحدة السورية المصرية. لا شك أن الوحدة الاندماجية بين إقليمي الجمهورية العربية المتحدة اصطدمت بحقائق عديدة في الوطن العربي، ومنها:
أولاً: أن الإمبريالية الأميركية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية تريد استغلال ما أصاب بريطانيا وفرنسا من أنهاك، لكي تملأ «فراغ القوة» الذي نشأ في المشرق العربي، الذي نشأت فيه حركة قومية عربية حاشدة ولكنها عاطفية بقيادة جمال عبد الناصر تطمح إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي للأمة بواسطة الوحدة العربية الشاملة.
وكانت الإمبراطورية الأميركية التي تقدر أهمية الوطن العربي في الصراع الدولي، وفي إستراتيجيتها الكونية، ترى أن السيطرة عليه هي فعلاً «معركة القرن». ولذا فقد كان ضرورياً للإمبريالية الأميركية أن تحارب الوحدة، لكي يبقي الوطن العربي هامشاً وتابعاً ومجزءاً.
ثانياً: إن الحركات القومية بجميع تلاوينها القائدة الداعية إلى تحقيق الوحدة العربية لم تكن حركات ديمقراطية حديثة وعقلانية طرحت موضوع إنجاز الثورة الديمقراطية. فالوعي الأيديولوجي والسياسي للحركة القومية كان قاصراً نظرياً وعملياً، ويعود ذلك إلى أن الفئات الوسطى التي طرحت قضية الوحدة لم تستطع أن تكون قيادة ديمقراطية وشعبية، ولا قيادة فكرية.
ثالثاً: شكل الانفصال ضربة قوية للمضمون العربي الوحدوي للسياسة الناصرية، لأن هذا المضمون هو نقطة احتكاك أساسيةإن لم نقل وحيدة بين النظام الناصري والإمبريالية . والحال هذه كان المضمون العربي الوحدوي للسياسة الناصرية المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي هو الهدف المركزي المطلوب تصفيته من جانب القوى الإمبريالية الغربية وإسرائيل.
لما كانت الديمقراطية هي مضمون الدولة الحديثة، قبل الوحدة وبعدها، فإنه في كل الأحوال لم يعد من العقلانية في شيء التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان على مذبح الوحدة العربية. لقد فعل العرب ذلك في الماضي، فخسروا الوحدة العربية والديمقراطية.
كاتب تونسي