رغم أن طقس لبنان، هذه الأيام، مثلج ويضربه الصقيع القارس؛ إلاّ أن بارومتر أجواءه السياسية، يسجّل درجة حرارة صيفية. أو أنها تبدو في طريقها إلى مثل هذه السخونة. بسرعة توالت عوامل التأزم. زاد من زخمها وقدرتها على توتير الوضع، أنها متنوعة ومتزامنة. تداخل فيها الأمني المحلي المتعدّد الألوان، مع السياسي التصعيدي الذي يرفع منسوب الاحتقان؛ بالإضافة إلى التفجير الحدودي وتداعياته ومخاطره.

الخشية من هذه التطورات المتسارعة، أنها، بحكم توقيتها ومجيئها مع بعضها البعض، تبدو مفتوحة على المزيد من الاحتقان وبالتالي على تهديد المعادلة والاستقرار، الداخليين.

السوابق من تجارب الساحة اللبنانية، تدعو إلى التخوف. خاصة إذا تعذر كبح حالة الاندفاع وبوادر الانسداد ومحاولات إعادة البلد إلى مناخات أزمته الأخيرة؛ التي لم يكتمل بعد خروجه التام من نفقها. مرّت عدة أشهر والأجواء هادئة. حصلت حوادث معزولة، جرى تطويقها. المناخ العام، بقيت فيه كفة الاستقرار والمصالحات؛ راجحة. فجأة، في الأيام الأخيرة، اضطرب حبل الأمن . وقوع حوادث قتل وخطف وتفجير، على محدوديتها، أعاد إلى الأذهان صورة عن بدايات مشابهة؛ انتهت إلى خضّات أمنية، هدّدت بالأدهى. وما أعطاها هذا الطابع، أنها تزامنت مع رفع متزايد لسقف الخطاب السياسي؛ بحيث بلغ نقطة تنذر بالمزيد من التصعيد.

زاد الطين بلّة، أن هذا التسخين الداخلي؛ واكبه تطور صاروخي على الحدود، ردّت عليه إسرائيل بقصف مدفعي وتهديدي للبنان وحكومته. الجهة التي أطلقت الصواريخ، غير معروفة.

بقيت مجهولة، كالمرات الثلاث التي سبقتها، خلال الأسابيع الأخيرة. كافة القوى نفت علاقتها بالحادثة. بل أعربت عن انزعاجها واستنكارها، لها. مجهولية مصدرها، تنطوي على رسائل، كما على محاولة توريط وتأجيج، للوضع اللبناني. الخطورة الإضافية، أن كل ذلك يأتي عشية استحقاقات، لبنانية حسّاسة وحامية. كما تأتي مع مجيء عتاة اليمين العنصري، إلى الحكم في إسرائيل؛ والذي سبقته تهديداته بالانتقام من لبنان.

ظروف الحالة اللبنانية المعلومة، تقول انه عندما ينزلق البلد تصعب عودته. في أحسن الحالات، يلزمها وقت مكلف، ناهيك بالجهود والوساطات؛ لتعود الأمور بالنهاية، إلى حيث كانت. أو حيث كان بالإمكان بلوغه، من دون جولة التصعيد. اليوم هو يقف على أبواب فصل جديد. دخوله، في مثل هذه الأجواء محفوف بالمخاطر والمجازفات.

ساحته لم تتحرر بعد من بقايا أزمته. قطع شوطاً كبيراً في تجاوزها. إسرائيل المنفلتة عدوانيتها على مداها؛ لا شيء يريحها وفتح الطرق أمام مخططاتها، أكثر من رؤية الساحات المجاورة، تعصف بها الانقسامات. الساحة الفلسطينية، شاهد. من مصلحة كل اللبنانيين، تنفيس التأزم، لئلا يتحوّل إلى إعصار.