كنا نتمنى لو أننا لم نضع أنفسنا في هذا الموقف الذي أصبحنا معه نتخذ موقف الدفاع بعد أن تفاقمت الأمور وضيعنا على أنفسنا فرصة تفادي مثل هذه المواقف واتخاذ الاحتياطات اللازمة كي لا نكون الحلقة الأضعف ونحن نحاول الحفاظ على أبسط حقوق المواطن في وطنه؛ وهو حق عدم محاربته في لقمة عيشه، والتضحية به عند أول إحساس بالخطر.
هذا هو التفسير البسيط والوحيد لقضية إنهاء خدمات عدد من المواطنين العاملين في بعض شركات القطاع الخاص، حتى لو كان عدد المواطنين الذين تم إنهاء خدماتهم قليلا، ومهما ساقت هذه الشركات من مبررات لقرار مثل هذا للدفاع عن نفسها، وحتى لو حاولت هذه الشركات إعادة النظر في قراراتها والتراجع عنها تحت ضغط الحملة الإعلامية التي تعرضت لها والتحرك الذي جاء متأخرا من قبل السلطات المختصة بعد أن وصل صوت المفصولين من أعمالهم إلى الناي عبر وسائل الإعلام المختلفة.
لم نكن نبالغ إذن عندما حذرنا من تنامي الخلل في التركيبة السكانية، ولم نكن نهول من الأمر عندما قلنا إن هذا الخلل سوف يفرز مشاكل من هذا النوع، ولم نكن نسعى إلى وقف عملية التنمية وضرب الاقتصاد الوطني عندما أبدينا مخاوفنا من أن غلبة العنصر غير المواطن في قطاع العمل الخاص على وجه التحديد سوف يضع هذا القطاع في قبضة العنصر الأكبر والأقوى على حساب العنصر الأقل والأضعف.
وهل هناك نسبة أقل أو أضعف من نسبة الواحد في المائة التي يمثلها المواطنون العاملون في القطاع الخاص الذين يبلغ عددهم نحو 14 ألف مواطن من إجمالي عدد العاملين في هذا القطاع البالغ نحو 3 ملايين و250 ألف عامل وفقا لتصريحات المسؤولين في وزارة العمل والإحصاءات الرسمية المعلنة؟!
ولم نكن نبالغ عندما حذرنا من ازدياد نسبة الباحثين عن عمل بين المواطنين، وقلنا إن ارتفاع نسبة البطالة بين أبناء الوطن سوف تؤدي إلى إفرازات غير مرغوبة، فالعمل هو مصدر الدخل الأساسي للفرد في المجتمع، وإذا كان القطاع الحكومي قد استطاع على مدى السنوات الماضية أن يستوعب النسبة الأكبر من المواطنين فإن لهذا القطاع طاقة محدودة.
وعلى القطاع الخاص أن يقوم بدوره في استيعاب نسبة من الباحثين عن عمل من مختلف المستويات التعليمية من أبناء الوطن، لأن هذا القطاع هو الأكثر استفادة من التسهيلات والخدمات التي توفرها الدولة له، فليس من المنطق أن يضيق بنسبة الواحد في المائة المخجلة ليحاول تقليصها في سوق عمل شهد خلال المرحلة الماضية صعودا لا مثيل له في البلدان الأخرى.
في ضوء كل هذه الحقائق تصبح قضية الاستغناء عن المواطنين في بعض شركات القطاع الخاص ليست قضية هامشية بالنظر إلى جذورها وأسبابها التي سبق أن حذرنا منها، وبالنظر إلى نتائجها التي لا تدق ناقوس الخطر بل تمثل الخطر نفسه الذي كنا نخشاه فأصبحنا نعيشه واقعا يفرض علينا نفسه ويدفعنا إلى التعامل معه والبحث عن الحلول المناسبة له.
كما فعلت وزارة العمل عندما أصدرت الأسبوع الماضي قرارا وزاريا بشأن ضوابط إنهاء خدمة المواطنين العاملين في القطاع الخاص، كأنها فوجئت بمثل هذا التصرف من قبل هذه الشركات رغم أننا لم نفاجأ به حيث كان متوقعا في ظل عدم إحكام السيطرة على هذا القطاع، وتحكم الأجانب فيه، وغياب الحس الوطني لدى بعض أصحاب المال الذين لا يأبهون بمصلحة الوطن بالقدر نفسه الذي يفكرون فيه بمصالحهم الخاصة.
حدث ما حدث إذن، وأدركت وزارة العمل (حاجتها إلى تنظيم وضوابط تستند إلى مبادئ وقواعد تؤكد على أن العمل حق لمواطني الدولة، ولا يجوز لغيرهم ممارسة العمل داخل الدولة إلا بشروط وقواعد القانون وقرارات الوزارة، وانه في حال عدم توفر العامل المواطن تكون الأولوية في الاستخدام للعمالة العربية ثم باقي الجنسيات الأخرى) وفقا لما صرح به القائم بأعمال المدير العام بالوزارة على خلفية صدور القرار الوزاري الجديد، لكن هذا الإدراك جاء متأخرا، فقد كان جديرا بوزارة العمل ؟
التي لا نحمِّلها وحدها مسؤولية إدراك هذه الحقيقة ؟ عدم ترك الأمور حتى تصل إلى ما وصلت إليه، إذ كان عليها أن تتوقع شيئا من هذا وأكثر في ظل تنامي أعداد العمالة الوافدة وسيطرتها على سوق العمل، وفي ظل النشاط الاقتصادي الذي كان يركز على قطاعات تحتاج إلى عمالة كبيرة، وفي ظل عدم وجود قرار رسمي يلزم القطاع الخاص باستيعاب نسبة محددة من المواطنين باعتبار (أصحاب العمل شركاء في المسؤولية والالتزام بالتوطين) كما جاء على لسان القائم بأعمال المدير العام بوزارة العمل أيضا.
إن الدراسات والتقارير التي تصدر عن الجهات المختصة بالدولة لا تبشر بخير فيما يتعلق بالتركيبة السكانية، وها هو تقرير الموارد البشرية لعام 2007 الصادر عن هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية «تنمية» يؤكد أن المسارات المتباينة لنمو السكان المواطنين وغير المواطنين أدت وستؤدي إلى تفاقم مشكلة الاختلال في توازن التركيبة السكانية للدولة.
حيث توقع التقرير أن يصل عدد المواطنين بحلول عام 2010 إلى مليون و5 آلاف و800 نسمة من مجموع سكان الدولة المتوقع أن يصل عددهم إلى 7 ملايين و557 ألفا و800 نسمة، وبهذا يصل انخفاض نسبة المواطنين في إجمالي عدد السكان إلى نحو 3, 13% متراجعا عن النسب التي سجلها خلال الفترة من عام 1995 إلى عام 2006م، ويتوقع التقرير أن تصل القوى العاملة المواطنة في الدولة إلى أكثر من 420 ألف مواطن ومواطنة لوجود معدلات نمو مرتفعة بين الجنسين في المجموعة العمرية من 25 إلى 54 سنة، حيث يعتبر هذا التطور الديمغرافي أحد أهم العوامل التي شكلت نمط نمو القوى العاملة المواطنة في الدولة خلال العقد الأخير.
لا نعتقد أن من يدعو إلى إيلاء هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام، والتحرك لمعالجة الخلل، وتأكيد حق المواطن في الأمن الوظيفي بصدد تسجيل مواقف ليس إلا، وإذا كانت الأزمة المالية العالمية قد كشفت لنا حجم الخلل وفداحته، فلعلها واحدة من إيجابيات هذه الأزمة التي علينا استثمارها لإصلاح أحوالنا، حتى لو جئنا متأخرين، فأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا.
كاتب إماراتي