رغم كل شيء علينا أن نطمئن ونتفاءل ونؤمن أن السلام قد اقترب وأن كل ما يقال عن سيطرة اليمين المتعصب المهووس بالعداء لكل ما هو عربي على القرار الإسرائيلي هو مجرد إشاعات، وأن العكس هو الصحيح فمع صعود المهووس ليبرمان وحزبه العنصري علينا أن نطبق الحكمة الخالدة «تفاءلوا بالخير تجدوه»، وربما سوف نجد من بيننا من يدعونا لإقامة صلاة الشكر على صعود ليبرمان، ثم انتظار السلام القادم على يديه!!

أنا لا أهذي، ولكن هذا ما يتحتم استخلاصه مما كشفه السياسي الإسرائيلي زعيم حركة «ميرتس» اليسارية السابق يوسي بيلين في كتاب جديد أصدره الأسبوع الماضي بالروسية ونشرت مقتطفات منه كشف فيها «بيلين» أن القيادي الفلسطيني محمد دحلان طلب لقاءه على هامش محادثات كامب ديفيد، حين كان دحلان عضواً في الوفد الفلسطيني برئاسة عرفات.

وكان بيلين عضوا في الوفد الإسرائيلي برئاسة باراك، حيث طلب منه دحلان (باعتباره وزيراً للقضاء في إسرائيل) العفو عن درعي رئيس حركة «شاس» المحكوم عليه بالسجن لسنوات بتهمة الفساد والرشوة، ثم طلب من معسكر السلام الإسرائيلي أن يتعامل مع درعي ومع ليبرمان رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» باعتبارهما «مفتاح السلام»!!

ويقول بيلين إنه فوجئ بجرأة دحلان ليطلب منه العفو عن درعي المدان بالفساد والرشوة، ولكنه فوجئ أكثر من اعتباره ليبرمان رجل سلام!! أما نحن فلا ينبغي أن نفاجأ، فالأخ دحلان كان ـ ولا يزال ـ يعرف أكثر منا، باعتباره مسؤولاً رئيسياً عن الأمن الفلسطيني لسنوات. وبالتالي فعلينا جميعاً أن نثق في حكمه، أو أن ننتظر الخير العميم والسلام الشامل على يد مفتاح السلام ليبرمان!

صحيح أن مفتاح السلام «ليبرمان» هو الذي طالب بضرب السد العالي بالقنابل النووية قبل سنوات، ثم عاد أثناء العدوان على غزة مطالباً باستخدام الأسلحة النووية في إزالة القطاع من على الأرض، ولكن لماذا نأخذ هذه التهديدات على مأخذ الجد؟ ولماذا لا نعامله كما نعامل باقي زعماء الكيان الإسرائيلي الذين يتحدثون كثيراً عن السلام بينما يمضون في بناء المستعمرات وتهويد القدس والاستيلاء على الأرض..

وإذا كانوا جميعاً يتواطئون ليفعلوا عكس ما يقولون، فلعل ليبرمان يسير على نفس القاعدة.. يتحدث عن الحرب وهو يقصد السلام، ويهدد بالأسلحة الذرية وهو ذاهب للتهدئة.. بشهادة رسمية من رجل أمن مثل دحلان يعرف بالطبع أكثر منا، ويراقب صعود نجم ليبرمان في السياسة الإسرائيلية منذ البداية!

وصحيح أن مفتاح السلام «ليبرمان» خاض الانتخابات وهو غاضب وحزين لأن الحرب على غزة توقفت قبل أن تحقق أهدافها كما يرى، وقبل أن يتم إخضاعها بصورة كاملة لما تريده إسرائيل. وخاض الانتخابات برؤية واضحة تعادي كل ما هو عربي، وتخطط لتهجير عرب 48 وترفض الحديث عن «دولة» فلسطينية ليكون السقف المسموح به هو «الحكم الذاتي» فقط تحت السيطرة الكاملة لإسرائيل..

ولكن هذا كله لا ينفي أن الرجل «مفتاح سلام» كما وصفه الأخ دحلان وفقاً لرواية يوسي بيلين، خاصة أن المعلومات الأمنية التي كانت وراء منحه درجة «المفتاح» كانت تؤكد أن الرجل قد وعد بأنه بعد أن ينفذ برنامجه كاملاً سوف يقف أمام حائط المبكى في القدس العربية الأسيرة ليخاطب العرب الأسرى في مناطق الجيتو تحت «الحكم الذاتي» قائلاً بكل اطمئنان.. «السلام عليكم»!!

لقد أصبح «مفتاح السلام» هو الرقم الصعب في الحياة الحزبية الإسرائيلية وجاءت نتيجة الانتخابات لتجعله المتحكم في تشكيل الحكومة. ومبكراً جاءت «بركات» المفتاح الذي تتسابق ليفني زعيمة «كاديما» مع نتانياهو زعيم «الليكود» على كسب رضائه.

وفي ظل هذا السباق جاء قرار حكومة أولمرت بنسف جهود التهدئة وصفقة تبادل الأسرى، بإعلان أن إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير شاليط سيكون شرطاً لتوقيع أي اتفاق تهدئة وفتح المعابر وإنهاء الحصار على غزة.. أملاً في كسب ود «المفتاح» في السباق حول رئاسة الوزارة.

وسواء اختار «ليبرمان» ان يكون «نتانياهو» أو «ليفني» هو رئيس الوزراء القادم، فسيبقى هو المفتاح.. مفتاح تشكيل الوزارة كما يقول الواقع الإسرائيلي الذي انعكس في نتائج الانتخابات الأخيرة، ومفتاح السلام كما أكد لنا منذ سنوات الأخ محمد دحلان وفقاً للرواية المنشورة.

وهو أمر سيتأكد يوماً يعد يوم، خاصة بعد أن يتحول مبدأ «الأرض مقابل السلام» إلى مبدأ «السلام مقابل السلام» أي أن تبقى الأرض بأيدي إسرائيل التي ستتكرم علينا بوقف مذابحها وتوفير ما تيسر من طعام ودواء للعرب الفلسطينيين المحاصرين في كانتونات عنصرية لن ينسى المفتاح «ليبرمان» أن يبعث إليها كل صباح ومساء بتحياته و.. سلام عليكم، عليكم السلام!!