«ليس المهم أن تبقى سوريا مع مصر جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة ولكن الأهم أن تبقى سوريا» .. بهذه الكلمات المصرية من القاهرة الحريصة على سلامة سوريا، في السادس والعشرين من سبتمبر عام 61 رد الزعيم العربي جمال عبد الناصر على إعلان قيادة الانقلاب في دمشق الانفصال عن دولة الوحدة التي أعلنها الرئيسان شكري القوتلي وعبد الناصر في الثاني والعشرين من فبراير عام 58 .

ففي مثل هذا اليوم منذ واحد وخمسين عاما «قامت دولة كبرى في هذا الشرق، ليست دخيلة فيه ولا غاصبة، ليست عادية عليه ولا مستعدية .. دولة تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تقوي ولا تضعف، توحد ولا تفرق .. تشد أزر الشقيق، وترد كيد العدو، لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحاز .. تؤكد العدل، وتعزز السلام، وتوفر الرخاء لها ولمن حولها من البشر جميعا بقدر ما تتحمل وتطيق»..

بهذا الإعلان التاريخي لقيام دولة الوحدة، كتبت شهادة ميلاد أول دولة وحدوية في تاريخ العرب الحديث بين مصر وسوريا، في أول خطوة رسمية عربية استجابة لإرادة شعبية عربية غلابة، لتصحيح الأوضاع التقسيمية التي خلفها الاستعمار بخرائط تهشيم الأمة العربية في سايكس بيكو الأولى، ولايزال يواصلها بين البلدان العربية وداخل الأوطان العربية لمنع قيام أية وحدة وطنية وبالتالي منع قيام الوحدة العربية الكبرى.

وبينما كانت تلك الخطوة الوحدوية، تمثل للشعب العربي الخطوة الإستراتيجية الأولى لتغيير المشهد العربي من التجزئة إلى الوحدة ومن الضعف إلى القوة ومن التخلف إلى التقدم، ولإعادة تصحيح الخلل الواقع بالتجزئة على الأرض العربية منذ خرائط التقسيم الاستعماري التي مزقت الخريطة العربية، وأبقت كل جزء غير قادر على تحقيق أمنه أو بناء نهضته بينما يراد لهذه الخريطة العربية أن تزداد تجزئة الآن بخرائط صهيو أميركية شرق أوسطية متوسطية جديدة، وذلك لابتعاد العرب عن إدراك ضرورة الاتحاد فيما بينهم والاتحاد فقط مع غير أشقائهم / في عصر الاتحادات غير العربية الكبرى من أوروبا إلى افريقيا ومن آسيا الجنوبية إلى أميركا الجنوبية.

إن القيمة الأساسية لهذه الخطوة الوحدوية الإستراتيجية جاءت بتعبيرها عن إرادة شعبية لإزالة مخلفات الاستعمار، الذي لا يريد لهذه الأمة أن تستعيد ذاتها من جديد، فلا يريد لها وحدة ولا تقدم ولا حرية، بل أجزاء ضعيفة لفرض إرادته السياسية عليها، ولتمكين قاعدته الاستعمارية إسرائيل أن تكون الدولة الإقليمية الأقوى، كعصا غليظة يضرب بها أي محاولة لوحدة وطنية، وفاصلا جغرافيا يمنع اتصال الأرض العربية.

إن فشل التجربة الوحدوية المصرية السورية سواء لخطأ في تصميم البناء أو إدارة الحركة، أو لتآمر القوى المعادية لإفشال هذه التجربة لا يعني سقوط مبدأ الوحدة الذي مازال يملأ وجدان الشعب العربي، ولا يعني أنها لم تنجح بصياغات أخرى سواء بالنموذج الاتحادي في التجربة الإماراتية أو بالنموذج الوحدوي في التجربة اليمنية .

وإنما يعني أن نتعلم من أخطاء تجاربنا لنقيم البناء الصحيح، ولا مانع أن نتعلم من أوروبا التي احتفلت بإزالة الحدود بين دولها الـ 25 بينما نحن لا نزال نحتفل بترسيم الحدود، أو حتى من افريقيا التي تتجه نحو الولايات الافريقية المتحدة بينما الولايات العربية غير المتحدة مازالت تعيش خارج العصر، الذي لم يعد يأبه بالصغار ولا يعترف إلا بالكبار.