لو لم تكن الثقافة العربية الإسلامية هي الهوية الحضارية الغالبة في السودان لما كان هناك الطيب صالح. فهو أنموذج خالد للأديب العربي الذي ينتج إبداعات عربية إسلامية باللغة العربية فيتجاوب معه الملايين من الخليج إلى المحيط. وإلى أن رحل عن الدنيا في الأسبوع المنصرم ظل الطيب صالح مثالاً سودانياً رائعاً للهوية العربية الإسلامية رغم أنه قضى معظم عمره منذ سن الرشد في بيئة ثقافية غربية، وبالرغم من انه لم يكن ذا انتماء حزبي معين إلا أنه كانت له رؤيته الخاصة تجاه مستقبل ومصير وطنه الصغير السودان. وهي رؤية تنبع من عقيدة راسخة بأنه لا مستقبل ولا مصير للسودان إلا في إطار انتمائه للمحيط العربي الإسلامي.

حينما التقيته ذات مرة في لندن قبل نحو سبع سنوات قال لي في سياق نقاشنا السياسي انه يؤمن بانفصال الشمال السوداني عن الجنوب. وقد عبر لاحقاً عن هذه الرؤية في بعض ما كان ينشر له من مقالات في صحف ومجلات عربية، ولم تكن رؤية عنصرية مبنية على روح استعلاء وإنما كانت عن قناعة علمية بأنه من الخير لأهل الشمال وأهل الجنوب معاً أن يفترقا فيذهب كل منهما في طريق، فمنذ استقلال السودان في منتصف عقد الخمسينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا لم يعرف الطرفان سوى الحرب أو ما يشبه الحرب.

ولم تنشأ هذه الحال المزرية ـ يقول الطيب صالح ـ إلا لان الطرفين لا يربط بينهما رابط حضاري سواء من حيث العقيدة الدينية أو اللغة أو العرق أو التراث الثقافي أو التاريخ المشترك، وليست هناك مقومات وحدة أو مواطنة بين الطرفين.. ولذا فإنه إذا أصرت القيادات السياسية من الجانبين على إقامة بناء وحدوي فإن ذلك سيكون حتماً على حساب تنازلات جسيمة من جانب الأغلبية الشمالية ذات الثقافة العربية الإسلامية من عناصر هويتها الأساسية..

بما في ذلك تحجيم استخدام اللغة العربية وفصل الدين عن السياسة.. بما يؤدي بالتدريج إلى انفصام السودان ـ أو بالأحرى الشمال العربي الإسلامي الذي يمثل غالبية السكان. الاغتراب طويل المدى. لم يؤثر سلباً على هوية الطيب صالح كعربي سوداني.. بل أتاح له رؤية الصورة الكاملة الصحيحة للسودان من على البعد وبالتالي تصور مصيره..

ومن خلال ذلك أدرك الطيب صالح هويته الحقيقية الشخصية كإبداعي عربي مسلم يتجاوب مع روح إبداعاته المصري والشامي والخليجي والمغربي، بالإضافة إلى السوداني وإبداعاته لم تخاطب المواطن الأوغندي أو الكونغولي أو الغاني أو الكيني لأن انتماء الطيب صالح ليس إلى الهوية الثقافية الإفريقية ـ إذا صح أن هناك «ثقافة افريقية» جماعية. رحل الطيب صالح.. فنعته شعوب الأمة العربية إلى بعضها البعض. ولم يكن هناك نعي من «الأمة» الإفريقية لأنها لا تعرفه ولا يعرفها.