هل ثمة لوبي في الولايات المتحدة يعمل بشكل منظم من أجل تشكيل السياسة الأميركية وتوجيهها فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل والموقف من سياساتها المختلفة بشكل خاص، وعلاقة الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط بوجه عام، أم أن سياسات الولايات المتحدة لا تخضع إلا لقرارات أهل الرأي والقابضين على سدة الحكم فيها، والذين بالطبع سينظرون بعين مجردة إلى الوقائع فيتخذون ما يرونه مناسباً من سياسات بحيث تصب في خدمة بلادهم؟!

هذا السؤال الجوهري يطرحه كاتبان أميركيان في مؤلف مثير نشر قبل مدة (2008) وأدى نشره لعاصفة من ردود الفعل في النخبة المثقفة في أميركا. الكتاب بعنوان: «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية»، أما المؤلفان فهما أستاذان مرموقان أحدهما (جون ميرشيمِر) في جامعة شيكاغو، والآخر (ستيفن والت) فيدرس في جامعة هارفارد.

أما لماذا أثار هذا الكتاب موجة كبيرة من ردود الفعل فيكمن أساساً في الأطروحة التي يحملها والتي ملخصها أنه لولا نشاط اللوبي الصهيوني المنظم ووسائل ضغطه المختلفة لكانت سياسة الولايات المتحدة حيال إسرائيل وبالتالي حيال القضية الفلسطينية مختلفة أشد الاختلاف، أو كانت على أقل تقدير أكثر توازناً، ليس فقط فيما يتعلق بالإسرائيليين والفلسطينيين، بل والأرجح بكل علاقتها بدول المنطقة وبالذات إيران وسوريا!!

ويضيف هذا الكاتبان الجريئان أن هذا النشاط المنظم قد أدى ولا زال يؤدي إلى الضرر بمصالح الولايات المتحدة الأميركية، ويجعل الأخيرة تتخذ من السياسات الضارة بمصالحها خدمة «لعيون» إسرائيل وذلك نتيجة لنشاط ذلك اللوبي. بل يذهبان للادعاء بأكثر من ذلك، حيث يبينان أن نشاط ذلك اللوبي - وفي أحايين كثيرة - يضر بمصالح إسرائيل ذاتها، من قبيل تشجيع الاستيطان وتمويله في الضفة الغربية والجولان أو رفض خيار «الدولتين» أو غيرها من السياسات المتشددة التي تتطابق مع توجهات بعض الأحزاب الإسرائيلية اليمنية كـ «الليكود»!!

ولعل قصة نشر الكتاب تحكي جانباً من «حساسية» التعاطي مع موضوع «اللوبي الإسرائيلي» في المجتمع الأميركي، حيث الخوض بالموضوع كأنه يشير باطناً إلى مسألة ازدواجية الولاء بالنسبة لليهود الأميركان الذين يمثلون الجسم الأساسي للمنظمات التي تشكل ذلك اللوبي، بما يحمل ذلك من تهمة «العداء للسامية».

أو إنه قد يفسر على تصوير «اليهود» وكأنهم يتآمرون على مصالح بلادهم خدمة لما يعتقدون إنها بلادهم الأصلية أي إسرائيل، مما يعيد إلى الأذهان تلك الأقوال التي تترد في كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» - التي ينفيها بالطبع المؤلفان ـ والتي ظهرت أيام الدولة القيصرية في روسيا في القرن قبل الماضي، والتي تجعل من اليهود «كطابور خامس» في مختلف المجتمعات التي يعيشون فيها!!

ومن أجل ذلك، وإبعاداً لأي شبهة فإن المؤلفين طوال كتابهما «يحلفان بأغلظ الأيمان» بأنهما لا يميلان إلى نظرية المؤامرة في تفسير نشاط اللوبي الصهيوني، ويريان بأن نشاطات هذا اللوبي إنما هي نشاطات شرعية ـ وإن كانت ضارة بالمصالح الأميركية والإسرائيلية على حد سواء ـ ، بل يذهبان أبعد من ذلك إذ يؤكدان تأييدهما لحق وجود إسرائيل، وأن تؤمن الولايات المتحدة بقاء إسرائيل ضد أي تهديد يمس كيانها، مع وجود علاقات وطيدة بين الطرفين. وهما أيضاً يعلنان على الملأ بأنهما لا يشكان بوطنية يهود أميركا وولاءهم المطلق لها!!

واللوبي الصهيوني ليس تنظيماً هرمياً ومركزياً واحداً، بل يتكون من تنظيمات وشخصيات نافذة شتى يوحدها نشاطها الفاعل في نصرة إسرائيل والدفاع عن قضاياها ومحاولتها توجيه السياسة الخارجية الأميركية بما يخدم متطلبات الدولة العبرية. ولعل أشهر تلك المنظمات هي American Israel Public Affairs Committee ( AIPAC ) التي تحولت بمرور الوقت إلى منظمة كبيرة يعمل بها 150 موظفاً متفرغاً وبراتب.

ولتتحول ميزانيتها السنوية من حوالي 300 ألف دولار في أوائل السبعينات إلى حوالي 40 إلى 60 مليوناً هذه الأيام. وهذا اللوبي يتكون من فئتين أساساً، من الجالية اليهودية، وهي من أكثر الأقليات المكونة للشعب الأميركي تنظيمات واهتماماً بالشأن السياسي، وأيضاً من «المسيحيين الصهاينة» الذين يرون بأن قيام دولة إسرائيل علامة بتعجيل عودة المسيح.

وهؤلاء هم فرقة من الكنيسة الإنجليكانية ظهرت في بريطانيا بالقرن التاسع عشر، وقد أثرت دعوتها في الكثير من السياسيين الإنجليز لعل أشهرهم ـ كما يرى الكاتبان ـ وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور، الذي يعود لوعده المشئوم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون والعرب منذ قرن تقريباً!!

أما عن سر قوة اللوبي الصهيوني في أميركا فيرى المؤلفان أن ذلك يكمن في الجالية اليهودية الأميركية التي تتمتع بتعليم عال وبنجاح اقتصادي وبمشاركة هذه الجالية الفاعلة في السياسة الداخلية الأميركية مما يجعلها قوة معتبرة، فضلاً عن غياب الخصم المنظم إشارة إلى غياب الدور الفاعل للجالية العربية، التي هي أقل تعليماً وثراءً من اليهود، وأبعد منهم عن الاهتمام بالشأن السياسي!!

أظن أن غليل القارئ لن يشفى إلا بوقفة أخرى نبين فيها كيف يقوم هذا اللوبي اليهودي بالتأثير على السياسة الخارجية الأميركية.