خلال الأيام الماضية قام وزير الخارجية سيرجي لافروف بجولة في الشرق الأوسط شملت القاهرة وتل أبيب ورام الله والبحرين وعمان. واعتبر العديد من الخبراء أن جولة لافروف تأتي كمحاولة لإصلاح ما أفسده الصمت الروسي خلال حرب غزة الدامية.
وقد يكون هذا المنطق صحيحا جزئيا، باعتبار أن الملف الأساسي الذي بحثه الوزير لافروف في رام الله وتل أبيب والقاهرة هو مؤتمر موسكو الدولي لتسوية أزمة الشرق الأوسط، إلا أن الجانب الآخر من هذا المنطق يغفل أن أطراف النزاع في المنطقة ومنذ بداية الأزمة لم يرحبوا بدور الوساطة الروسية والذي برز في الأيام الأولى متمثلا في جولة نائب وزير الخارجية الكسندر سلطانوف، خلافا للترحيب الكبير بالوساطة الفرنسية التي جاءت بعد ذلك.
ولابد من الاعتراف بأن هذه الحرب الدامية جاءت كتتويج لسياسات تم اتباعها خلال السنوات الأخيرة تجاه الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، والتي أشعلت فتيل الحرب على أعتاب انتهاء مرحلة هذه السياسات لتكشف ليس فقط عن عجزها، وإنما عن وحشيتها في التعاطي مع مشاكل الشعوب.
حيث لم ينفذ من قرارات وبرامج اجتماع أنابوليس الذي نظمه الرئيس الأميركي جورج بوش أي شيء، وذهبت وعود إدارة بوش بالتوصل إلى اتفاق حول التسوية النهائية قبل انتهاء السنة أدراج الرياح. ولم يكن ممكنا لروسيا أن تلعب دور رجل المطافئ بحل الأزمات التي فجرتها هذه السياسات، كما أنها لم تمنح الفرصة من قبل أطراف النزاع للعب هذا الدور.
ومنذ عام 2005 وحتى تفجر أزمة غزة، كانت روسيا تتحدث عن مؤتمر دولي لحل الأزمة عبر تسوية شاملة على كافة المحاور والمسارات بما فيها المسار اللبناني والمسار السوري، وكانت أطراف النزاع تدعم هذا المؤتمر حياء ولكنها رأت فيه امتدادا لأنابوليس، واعتبرت انه من غير المسموح له أن يخوض في قضايا الخلاف الأساسية، بدءا من وضع القدس، وحدود الدولة الفلسطينية المقبلة، ومرورا بمشكلة اللاجئين، وكذلك قضايا توفير المياه، وانتهاءً بصيانة أمن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، واستخدام المجال الجوي.
وخلال لقائه الرئيس المصري حسني مبارك أعلن بوتين عندما كان رئيسا للبلاد، أن موسكو تريد عقد مؤتمر مستقل لا يتحمل تبعات انابوليس، يبحث ملفات التسوية الشاملة وعلى كافة المسارات، بينما قبل العرب بالمؤتمر ليكون امتدادا لأنابوليس. فيما اعتبر الإسرائيليون أن هذا المؤتمر لن يكون مجديا، ومن المبكر الحديث عن انعقاده.
وأصبحت موسكو الطير الذي يغني خارج السرب، لأن السرب يبحث عن تسويات جزئية لا تضمن أمن المنطقة، وحقوق الشعب الفلسطيني، ولا تسعى لحل المشاكل العميقة. ولم يعد واضحا ماذا يمكن أن تفعل روسيا في هذا الوضع، خاصة وأنها تفتقد لحلفاء استراتيجيين في المنطقة، يدعمون رؤيتها وسياساتها، وأصبح عليها أن تبحث عن نقاط التلاقي مع أطراف النزاع لتهدئة الوضع المتفجر.
ويبدو أن زيارة لافروف سعت لتحقيق أضعف الإيمان، عندما اختفت من تصريحاته عبارات التسوية الشاملة وتحقيق السلام على كافة المسارات، لتظهر عبارات جديدة تدعم اتفاقات التهدئة، وتدعو لدعم المبادرة المصرية والفرنسية. ومما لاشك فيه أن هذا الوضع يعكس تقلص النفوذ والدور الروسي في الشرق الأوسط، ومن قال انه كان متوسعاً!
حاولت موسكو واعتمادا على نفوذها المتواضع أن تقدم رؤية، وتبذل جهودا في الاتجاه الصحيح وفق قناعتها لتسوية أزمة الشرق الأوسط، ولم تجد إجابات. ومما لاشك فيه أن لروسيا مصالح في المنطقة، ولكن مصالحها ونفوذها في القوقاز ووسط آسيا أكثر حيوية بالنسبة لها، ليس فقط بسبب الجوار والثروات، وإنما أيضاً لأن لها حلفاء في هذه الأقاليم يحقق التعاون معهم منفعة متبادلة.
لذا لم يكن ممكنا أن تدخل روسيا في صدام ضد إسرائيل، في وقت لم ير أطراف النزاع فيه ضرورة المواجهة مع إسرائيل.إضافة إلى أنها لا تجد فيه إمكانية لأن تلعب دور الوسيط، ولعل لقاءات لافروف الأخيرة تفسح المجال للتعاون باتجاه إيجاد تسوية جادة للأزمة.