يبدو أن الأهم من النصوص الصحيحة والمتوازنة للشرائع والتشريعات السماوية والبشرية، وللدساتير وللقوانين والخطابات الأممية والدولية هي التطبيقات الصحيحة لهذه النصوص، ويبدو أن الأهم من النص والتطبيق هو الثقة في إرادة وضع تلك النصوص موضع التنفيذ الصحيح والمتوازن، وفى سلامة وعدالة ونزاهة التطبيق فيما يتعلق بالديمقراطية العالمية أو بالحقوق الإنسانية. سواء في أروقة المحاكم أو في قاعات البرلمانات أو في دوواين الحكومات.

والثقة الغائبة في حقيقة احترام حقوق الإنسان، نابعة من شواهد ومشاهد عديدة في عالمنا الذي يقول شيئا ويفعل شيئا آخر، ويوقع على مواثيق تؤكد حقوق الإنسان بينما ينتهك حقوق الإنسان في بلده أو يطبقها في بلده بينما يجافيها ويغمض العين عن إنتهاكها في بلد آخر، كما تفعل دول «العالم الحر» تجاه حقوق الإنسان العربي، الذي جعل منه الاحتلال الصهيوني في فلسطين والأميركي في العراق وبكل الجرائم ضد الإنسانية مثل الحصار الظالم على غزة إنسانا «غير حر».

والثقة الغائبة لدى الرأي العام في سلامة التطبيق الديمقراطي في بعض الأوطان نابعة من غياب الثقة في سلامة ونزاهة قوانين وعمليات الانتخابات، حينما توظف القوانين والممارسات والنتائج لإفراغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي في إعلاء الإرادة الشعبية الحقيقية، ومشاركة الشعب في اختيار نوابه وفي اختيار نظامه السياسي وفي المشاركة في صنع القرار الوطني، ومن غياب الثقة في دعاة الديمقراطية الذين انقلبوا على الديمقراطية ويعاقبون الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي!

ولأن الحرية لا تتجزأ، لهذا يفرح أنصار الحرية بكل قيد ينكسر ـ قضاءً أو قدر ـ فتتحقق به حرية أي وطن محتل أو محاصر أو أي إنسان أسير أو سجين .. ولأن العدالة لا تتجزأ، لهذا يفرح أنصار العدالة بكل ظلم ينحسر ـ قضاءً أو وفاءً ـ فيتحقق به رفع المظالم أو رد الحقوق أو بعضها إلى أصحابها ولو بعد حين سواء في مجال حقوق الإنسان أو حقوق الأوطان .. لكن هؤلاء الأدعياء يقيمون الدنيا على أسير صهيوني واحد، بينما يغمضون العيون عن حقوق عشرة آلاف أسير فلسطيني!

وحقوق الإنسان كما قررتها الشرائع السماوية الصحيحة رحمة بالناس، أكثر كمالا من كل حقوق الإنسان التي قررتها التشريعات البشرية عدالة للناس، لأن من الناس من هو غير عادل سواء مع نفسه أو مع غيره، ولأن رحمة السماء أرقى درجة من عدل البشر.. وفى الحالتين فحقوق الإنسان كل متكامل غير قابل للتجزئة أو الانتقائية أو ازدواج المعايير.. الحرية حق والعدالة حق، والمساواة بين الناس حق، والحق أحق أن يتبع..

في النهاية، الحق والعدل والحرية هي القيم السامية التي إن سادت في العالم سعدت بها كل شعوب العالم، وإن سادت في أمة سادت بها أي أمة، لكن الدول الديمقراطية الكبرى لم تتبع الحق ولا توخت العدل ولا احترمت الحرية في أي قضية عربية أو إسلامية، ولم تعير أي اهتمام لحقوق أي إنسان عربي أو مسلم، ويكفى أنها إلى اليوم لا تعتبر الاحتلال جريمة ولا العدوان جريمة ولا الحصار جريمة دولية وضد الإنسانية في حقوق الإنسان أو الأوطان!