محمودٌ ذلك التحرك الذي قامت به الإدارة الأميركية نحو قطاع غزة وإن أتى بلا أجندة واضحة لجهة إنصاف الفلسطينيين. ومحمودٌ ذلك التحرك متشعب الوفود الكونغرسية نحو سوريا ولبنان، وإن كانت المحطة النهائية لقطار هذه التحركات غير معلومة.

جيد هذا التحول في السياسية الأميركية تجاه المنطقة لكن المأمول ألا يكون في إطار سياسة علاقات عامة، وتلميع صورة أميركا، ودون أي إستراتيجية محددة المعالم، معروفة بدايتها ونهايتها، لا تقتصر على تفقد النواب والشيوخ الأميركيين قطاع غزة يوم الخميس، وهو تحرك غير مسبوق في زخمه منذ سنوات طوال، لابد أن يحدث تلك الصدمة التي غيبتها وسائل الإعلام الأميركية وماكينة الدعاية اليهودية عن الرأي العام الأميركي والدولي.. فلا شيء يمكن أن يحجب الحقيقة إن كانت العيون مفتوحة والأذهان تريد أن تستوعب وتصدق ما ترى.

والمهم أيضاً أن تكون الشهادات التي سمعها النواب والشيوخ الأميركيون قد سجلت في الذاكرة، وستنقل إلى البيت الأبيض، أو على الأقل إلى الكابيتول (مقر الكونغرس).. والأهم أن يتم النظر بلا أي تصور وموقف مسبق للرسالة التي حمّلتها حركة «حماس» السيناتور جون كيري إلى الرئيس باراك أوباما.

ومن المهم أيضاً، وهو ركن أساسي في أي سياسة أميركية تجاه المنطقة، والصراع العربي الإسرائيلي تحديداً أن تمتلك الإدارة الأميركية رؤية واضحة محددة لا تتنازعها الرؤى المختلفة بين الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، فضلاً عن امتلاك الإدارة العزم، والحزم، لاتخاذ قرارات سياسية حاسمة وربما مؤلمة في ردع الصديق الإسرائيلي عن التهور واستخدام المدنيين الفلسطينيين العزل ورقة مفاوضات، ودمائهم وسيلة ضغط، وأراضيهم ورقة ابتزاز..

فكثير من القرارات التي اتخذتها الإدارة السابقة، برئاسة جورج بوش ونفذتها الوزيرة كوندوليزا رايس، سواء في ما يتعلق بوعد إقامة الدولة الفلسطينية، أو اللهجة الحادة إعلامياً تجاه السياسة الاستيطانية كانت تتبخر سريعاً دون أن تتحول إلى سياسة جوهرية.. فالإسرائيليون، بالتأكيد، لديهم أدوات ضغط على الإدارة الأميركية أكثر مما تمتلك هي ضدهم.

وأخيراً، لابد أن تتحرك الإدارة الأميركية إلى الأمام، والأمام فقط، فطريق السلام واضح.. لمن يريد أن يسير عليه، وما حصل في ملف التهدئة التي كانت ترعاها مصر إلا دليل إدانة على سياسة المماطلة الإسرائيلية وفرض الأمر الواقع في يوميات الصراع التي تزدحم بالقتل، واغتصاب الأرض. وكل الرجاء أن لا تأتي انتخابات 2012 في الولايات المتحدة وتكون المحصلة كما هو عليه الحال هذه الأيام، أو أردأ.