قبل أيام احتضنت مدينة دبي مؤتمر الصحافة الأخلاقية الذي نظمته جمعية الصحافيين الإماراتيين بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافة بهدف الترويج للقيم الأخلاقية في العمل الصحافي والالتزام بها وتجسيدها في الممارسة اليومية لتنمية الديمقراطية والحرية وإعلاء كلمة الحق وتوفير المعلومات اللازمة للرأي العام حتى يلعب دوراً فاعلاً في المجتمع.

الممارسة الإعلامية هذه الأيام، سواء في الجنوب أو الشمال؛ في الغرب أو الشرق، تعاني من ابتزاز واستغلال من قوى سياسية ومالية مختلفة ومتعددة بهدف التلاعب والتضليل والتعتيم نظراً لخطورة وقوة الكلمة والصورة وللدور الاستراتيجي الذي أصبحت تلعبه وسائل الإعلام على الصعيد المحلي أو الدولي.

هذه الأوضاع تحتم على المنظومة الإعلامية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي العمل على «أخلقة» العمل الإعلامي وتطهيره من شوائب التضليل والتعتيم والتشويه والتلاعب والحرب النفسية والبروباغاندا. إذا فسدت الصحافة فسد المجتمع والصحافة بدون أخلاق لا تستطيع أن تؤدي رسالتها النبيلة في المجتمع على أحسن ما يرام.

لكن هل يمكننا الكلام عن أخلاقيات الصحافة بدون حرية الصحافة؟ وهل الصحافي إذا كان مقيداً بطرق ووسائل عديدة ومتنوعة بإمكانه أن يؤدي رسالة الاستقصاء والبحث والرقابة والكشف عن الحقيقة بدون مضايقات ومساءلات؟ وهل إذا كان المجتمع يعاني من عدم الفصل بين السلطات وعدم استقلالية القضاء وعدم التناوب على السلطة والتهميش المنظم للغالبية العظمى من الشعب وعدم إشراكه في العملية السياسية وغياب المجتمع المدني بإمكاننا الكلام عن أخلاقيات الصحافة.

الالتزام بالكلمة الحرة والمسؤولة يحتاج إلى مستلزمات من أهمها حرية الفكر والرأي والتعبير وقانون يحمي الجميع ويتعامل مع الجميع بعدالة وشفافية. وهل مواثيق الشرف وقانون النشر والمطبوعات كافية لإعلام نزيه ومسؤول ومستقل وحر؟

الممارسة الإعلامية هذه الأيام تعاني من انزلاقات وانحرافات عديدة بسبب المشكلات والضغوط التي يتعرض لها القائم بالاتصال في عمله اليومي من قبل جهات عديدة ومختلفة شغلها الشاغل هو ابتزاز واستغلال المؤسسة الإعلامية لمصالح ضيقة على حساب إعلام موضوعي، مسؤول وهادف.

انزلاقات وانحرافات عديدة تكون نتيجة التربص بالمهنة الشريفة وتكون مخرجات المؤسسة الإعلامية في النهاية التلاعب والتشويه والتضليل والإثارة والانحياز في طرح الخبر ومعالجته. إشكالية الممارسة الإعلامية والتحدي الأخلاقي تبقى إشكالية مطروحة عبر العصور والأزمنة وفي مختلف الدول والأنظمة وما نمر به هذه الأيام على المستوى الدولي ما هو إلا دليل قاطع على ما نقول والدليل على ذلك هو التغطية الإعلامية الأخيرة لمحرقة غزة.

جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م «أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار ونشرها بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية». ويقول سقراط «لكي تكتشف الفضيلة لا بد أن تعرف نفسك وتعرف الآخرين، فهذا هو الخير الأعظم للإنسانية».

ويرى أفلاطون أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال المناقشة الحرة. وهذا يعني أن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والسوق الحرة للأفكار هي مستلزمات لا بد منها للوصول إلى الديمقراطية والرفاهية والازدهار والإعلام المسؤول والنزيه والموضوعي والملتزم.

إنه من واجب كل مؤسسة إعلامية أن تحمي صحافييها والمشرفين عليها والذين يعملون ويجتهدون بحثاً عن الخبر وعن الحقيقة وعن إعلام الجمهور وتزويد الرأي العام بما يجري محلياً ودولياً من أجل إعلاء كلمة الحق والكشف عن الحقيقة. هذا يعني الحاجة إلى «أخلقة» العمل الإعلامي من أجل الممارسة الإعلامية النزيهة والشريفة والهادفة.

فكل مؤسسة إعلامية مطالبة بأن تحدد بكل وضوح ودقة المحرمات والمبيحات، واجبات القائم بالاتصال وحقوقه، وعادة تتحدد المحاور الرئيسية لميثاق الشرف الإعلامي فيما يلي: المسؤولية، الأخلاق، الدقة والموضوعية، احترام شعور وديانات ومقدسات الآخرين، احترام الحياة الخصوصية لأفراد المجتمع، حق الجمهور في الأخبار والمعرفة والمعلومات، الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها أو استعمالها لأغراض غير المصلحة العامة وأغراض المجتمع، الالتزام بحماية الصحافي وحصانته والدفاع عنه عندما تتوجب الضرورة.

إذا انعدمت الأخلاق وسيطرت النزوات الشخصية أو الحزبية أو المالية أو التجارية ابتعدت المؤسسة الإعلامية عن خدمة المصلحة العامة وهذا يعني أنها بدلاً من أن تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع عن الطبقات المحرومة تصبح في يد فئة محددة تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها وحتى لو كانت على حساب المصلحة العامة، مما يؤدي إلى انعدام المصداقية وتدهور العلاقة بين الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمع والمؤسسة الإعلامية.

فقدان المصداقية في العملية الإعلامية يؤدي إلى فشلها ويفتح المجال أمام الجمهور المحلي للتوجه إلى مصادر أجنبية للحصول على الأخبار والمعلومات. تنعدم المصداقية في العملية الإعلامية عندما تكثر الضغوط بمختلف أنواعها وأشكالها على القائم بالاتصال، وعندما تكثر التدخلات في عمل المؤسسة الإعلامية من قبل جهات وأطراف ليس لديها أي حق في التدخل في العمل الإعلامي.

في العالم العربي تعاني المؤسسة الإعلامية من ضغوط ومن تدخلات ومن تحكم وتوجيه تجعلها مؤسسة تبتعد كل البعد عن جمهورها وعن خدمة المصلحة العامة لصالح هؤلاء المتطفلين ـ نظراً لنفوذهم السياسي أو المالي.. الخ.

ويصعب الكلام في مثل هذه الحالة عن الأخلاق أو ميثاق الشرف أو المصلحة العامة إذا كانت المؤسسة الإعلامية تحت رحمة حفنة من أصحاب الجاه والمال والنفوذ، وإذا كان صانع القرار غير مقتنع بحرية الممارسة الإعلامية إلا فيما يرضيه، وأما عدا ذلك فيعتبر خروج عن الطاعة. هذا الوضع المتناقض بين الظاهر والضمني وبين المكشوف والمستور أدى إلى أنواع مختلفة من الرقابة من أهمها الرقابة الذاتية التي تقضي على مبدأ الحرية والمسؤولية والالتزام.