في منتصف السبعينات، وقع في مدينة القاهرة حادث مروري لحافلة للنقل العام، وأصيب فيه من بين المصابين شاب أميركي بكسور متفرقة في جسمه، ولأن الخدمات الطبية المصرية لم تكن عالية المستوى، فقد استدعت السفارة الأميركية خلال أقل من أربع وعشرين ساعة طائرة عسكرية أقلّت الشاب إلى بلاده لضمان أن يتلقى في مستشفياتها المتطورة العلاج الذي قد يعيده إلى حالته الطبيعية.
هذا النوع من الاهتمام الفائق والإنساني، ولو كان مغلفا بالواجب الوظيفي، هو الذي يقدم الإجابة العملية على التساؤل الذي يثار منذ عقود في أوساط المثقفين في البلاد العربية: لماذا يقضي العلماء والأدباء والمهنيون العرب أعمارهم في مساقط رؤوسهم مغمورين أو ربما بلا عمل يعيشون منه، وما إن يهاجروا إلى أي مجتمع من مجتمعات العالم المتقدمة حتى يعيدوا اكتشاف أنفسهم، حتى إن عشرات الآلاف من العقول العربية المهاجرة تقدم إبداعاتها للبشرية اليوم من على مسارح الحياة بعيدا عن تراب الوطن، فإذا شدّها الحنين والشوق للعودة إلى عبق النسيم العربي، جاءت لتجده لفحا من السَّموم.
لقد درجت حركة البشر على أن يستمد الإنسان قيمته من حاجات البيئة التي يعيش فيها، لأن مهندسا في الكيمياء النووية مثلا لا تكون له أدنى قيمة في بيئة رعوية تعتمد على الجهد العضلي كذلك فإن أمهر راع للغنم لن تكون له قيمة تذكر في بيئة صناعية تعتمد على الجهد الذهني والعمل المؤسسي المنظم واستخدام الآلة في كل شيء؛ هذا الجنوح الاجتماعي يستشف من حركة المجتمعات والبيئات البشرية أينما كانت.
فالحضارات والأمم السابقة التي قامت فلسفة وجودها على القوة العسكرية، كان «المحارب» فيها يمثل قيمة باعتباره «قوة» ولهذا اهتمت بتوجيهه وتأهيله لكي يسخّر تلك القوة في بناء أطماعها بالحروب والتوسع الجغرافي ونهب ثروات الأمم الأخرى؛ أما الأمم والحضارات التي قامت فلسفة وجودها على القوة الاقتصادية.
فكان «الرأسمالي» فيها هو الذي يمثل قيمة باعتباره «مقدرة»، ولهذا اهتمت بتحفيزه وتشجيعه لكي يسخّر تلك المقدرة في الإنتاج والنمو الاقتصادي والثروة والرخاء؛ وأما الأمم والحضارات التي قامت فلسفة وجودها على القوة العلمية، فكان العالم والأديب والفنان هو الذي يمثل قيمة باعتباره «موهبة»، ولهذا اهتمت بتحفيز إنسانها وتشجيعه لكي يسخّر تلك الموهبة في الاختراع العلمي والابتكار المعرفي والإبداع الأدبي والفني.
وعلى هذه الوتيرة يتفاعل الاهتمام بالإنسان عندما «تحدد» البيئة مدى ما تمثله مخرجات الإنسان من «قيمة» أو «أهمية» بالنسبة لحركتها الحضارية، بموازاة مدى «استعداد» البيئة و«معرفتها» أو «إلمامها» بترجمة هذه القيمة فيما بعد إلى برنامج «اهتمام» أو مدخلات، مع تأطير كل من هذه القيمة «المخرجات» وهذا الاهتمام «المدخلات» بمفهوم موضوعي للتمايز بين الأفراد تكون فيه أحقية البقاء أو الفرصة للأفضل، أو بالأصح للأغزر والأجدى عطاء.
ولكن المسألة لا تخلو من بعض التعقيد، فالطبيب مثلا شخص يجد اهتماما من المجتمع، وأهميته تنبع من «قيمة» مصدريته وإعطائه للعلاج والوقاية لبقية أفراد المجتمع من الأمراض والأسقام، وهكذا الحال بالنسبة لبقية المهن؛ ولكن قيمة الطبيب لا تنتهي عند كونه مداويا أو جالبا للصحة التي يحتاج إليها أفراد المجتمع للعمل والإنتاج، بل تنبع أيضا من كونه عضوا في المجتمع وعائلا لأسرة وربما معلما ومستهلكا ومثقفا وضميرا حيا.
ومن هنا فإن المجتمع أو الدولة الحديثة المتعددة الاهتمامات والتي تقوم استراتيجيتها الحضارية على مجموعة كبيرة من التوجهات، فإن أوجه القيمة الكامنة في الإنسان أو التي يكتسب أهميته من خلالها قد تعددت هي الأخرى، دون الخروج على خصوصية ذلك المجتمع وهويته؛ فمن حيث يكون العمل السياسي معيارا لقيمة الإنسان، فإن المجتمع يهتم بتأصيل المشاركة في العمل السياسي وإضفاء المشروعية عليها.
وتوسيع مساحة الحريات الممنوحة رغم اتساقها أو معارضتها للنظام السائد، وإخماد مشاعر التمييز العنصري والاضطهاد؛ أما من حيث يكون الترابط والتماسك الاجتماعي معيارا لقيمة الإنسان، فإن المجتمع يهتم باحترام القيم والمبادئ الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية التي يؤمن بها، وإعطاء العلاقات الأسرية والتفاعل الاجتماعي وزنا في حركة التطور والتحضر، وترسيخ قيم العدالة والمساواة؛ وأما من حيث تكون الثقافة والفكر معيارا لقيمة الإنسان، فإن المجتمع يهتم باكتسابه أعلى مستويات التعلّم والتثقف ومهارات التأثير وحرية الرأي والتعبير.
وبالتالي فإن البيئة البشرية التي لا تنشط فيها خميرة الاهتمام بالإنسان هي بيئة لا يمثل الإنسان فيها قيمة، وما دام الإنسان بلا قيمة فهذه بيئة ليس لها توجهات في الحياة، وما دامت بلا توجهات، فهي بيئة لا مكان لها على مسارات الحضارة؛ وكما أن قيمة الإنسان لا تقاس بمقدار الأخذ من الحقوق بل بمقدار العطاء من الواجبات والزيادة عليها بالتطوع، كذلك فإن الاهتمام بالإنسان لا يقاس بمقدار ما «يوهب» من الإعانات والعطايا والمنح ليعيش كفرد في جماعة، بل بفاعلية ما «يستحقه» من البناء والحقوق والفرص ليمارس عطاءه وحياته كإنسان في وطن.
هذا الجانب هو الذي انتبهت له البيئات البشرية المتقدمة، فأقدمت على تحويله إلى عقلية أو مفهوم لصياغة أوجه الحياة المختلفة، ولهذا يظهر جانب الاهتمام بالإنسان في تلك البيئات واضحا في الخطاب السياسي والإعلامي؛ كما أن هذا الجانب هو نفسه الذي أبرز العديد من القضايا والحركات الاجتماعية والسياسية في تلك المجتمعات مثل حقوق الإنسان وحماية المستهلك والنقابات العمالية وصولا إلى الأحزاب السياسية.
المهم أن هذه الحركات لم تخرج إلى حيز الوجود كشكل من أشكال الترف الحضاري والاجتماعي، بل كانت الحاجة إلى الاهتمام بالإنسان واهتماماته هي وقودها الداخلي. ولأن الاهتمام بالإنسان برنامج استثماري دؤوب للفوارق الفردية، فإنه ينبغي أن يكون برنامجا شاملا بجميع أبعاده، فمن حيث المسؤولية فإن الجميع يتحمل نصيبه منها فالإنسان ذاته والأب والأم والأسرة والمدرسة والمؤسسة والمجتمع والدولة عليهم جميعا دور لا عذر لأحد في التفريط فيها.
وإلا فشل البرنامج قبل أن يبدأ، وهي بذلك مسؤولية تكافلية فالآخذ من جهة هو معط من جهة أخرى وهكذا، وهي أيضا مسؤولية متشعبة الوظائف من التكوين إلى استثارة روح المبادرة إلى المراقبة إلى المحاسبة إلى التقدير إلى توهّج الشعور بالانتماء.
أما من حيث الإطار الزمني لهذا البرنامج فإنه لا تكاد مرحلة في حياة الإنسان يكون فيها مستغنيا عن هذا الاهتمام، وإلا تبددت اهتماماته وتبخرت طاقته وتراجعت قدرته على العطاء إلى حدودها الدنيا؛ وأما من حيث العناصر فالإنسان غريزي في استشعار الاهتمام، وكلما تلمّس هذا الاهتمام في جانب ما من مفرداته الحياتية كلما تألق في استشراف إبداعاته وإنجازاته وعطاءاته، في تحد وتنافس لا من أجل الإثراء أو اعتلاء كراسي السلطة أو التعالي على الآخرين.
ولكن من أجل أن يثبت أنه كان مشروعا ناجحا لإنسان معطاء؛ ومن هنا كانت المجتمعات المتقدمة تضخ في شرايينها يوميا آلاف العلماء والخبراء والمهنيين الذين تنتظرهم وظائفهم وواجباتهم، بينما تضخ المجتمعات المتخلفة آلاف الرعاة الذين لا يجدون غنما يسرحون بها إلى سفوح الواقع المجدب.