بالنهاية، ما كان مغطى بقشرة المراوغة الإسرائيلية، انكشف. ربط حكومة أولمرت لمشروع التهدئة، بالإفراج المسبق عن الجندي الأسير شاليت؛ ما كان أقل من نسف، تلطّى خلف شرط مفتعل، لهذا المشروع. بالأحرى هو تعجيز آخر لحظة، للتنصل من هذه الصيغة. من البداية، كانت هذه النية المضمرة، كامنة وراء المناورات التي لجأ إليها الجانب الإسرائيلي؛ في المفاوضات.

فهو لفّ ودار، عبر المماطلة والتسويف، لحجبها. عند الاستحقاق، كشف عن أوراقه وأعاد الأمور إلى المربع الأول. ولم يكن صدفة، أنه بقدر ما كانت مساعي التقارب الفلسطيني تتقدّم؛ بقدر ما كانت هذه النيّة تفصح عن نفسها؛ عبر حرص أولمرت على وضع المزيد من العصي في الدواليب. وربما فعل ذلك، لأسباب أخرى؛ ليس أقلها ترك الملف مفتوحاً أمام احتمالات عدوان آخر على غزة؛ في زمن الثائي، نتانياهو ـ ليبرمان، الآتي؛ الذي لا يحمل في جيبه غير بضاعة الحروب والعداء المكشوف، حتى لترتيب هدنة مؤقتة.

الوساطة المصرية، كانت قد قطعت كامل الشوط تقريباً، لإبرام اتفاق تهدئة. بعد جولات من التفاوض والأخذ والرد، توصّلت إلى التوفيق بين المطالب. موضوع شاليت بقي خارج العملية. كان قد حصل تفاهم على معالجته بصورة منفصلة. عند التوقيع، طلع أولمرت بشرط الأسير. فجأة وضع العقدة في المنشار. ثم حمل الحكومة الأمنية المصغرة، على اتخاذ قرار بالإجماع، بتأييد موقفه.

حتى المفاوض باسمه، عاموس جلعاد، أبدى استغرابه. «أنا لا أفهم ما الذي يريده أولمرت. بالضبط. ربما ندم ويريد التراجع. ربما فهم أن حماس تعيش في ظروف ضاغطة وأراد رفع ثمن التهدئة»، على حدّ ما نسب إليه قوله. ربما. فإسرائيل لا سقف لشروطها ومطالبها. لكن يبدو أن في هذا الأمر أكثر من ثمن واحد. حجر شاليت، أرادت إسرائيل ضرب أكثر من عصفور، به.

أول التداعيات كان تأجيل الحوار الفلسطيني، الذي كان من المزمع عقده بعد غدٍ في القاهرة. الأجواء التي سبقت الموعد كانت مهيأة، أفضل من أي وقت مضى، لإحراز نقلة نوعية هامة، في العلاقات بين غزة ورام الله. احتمالات عرقلها التخريب الإسرائيلي على الهدنة، التي تأجلت، تبعاً لذلك. ولابدّ أن هناك دواعي فرضت الترحيل. المطمئن أنه مؤقت. على الأقل بحكم اقتراب موعد القمة العربية؛ وما يرافق الاستعداد لها من تحركات عربية مكثّفة، باتجاه لملمة الصف.

نسف صيغة التهدئة، ليس بسبب شاليت. كما انه ليس من رأس أولمرت لوحده. إسرائيل وافقت، قبل التهرّب، على الصيغة. افتعالها لسبب تملّصها، يخفي أكثر من لغم. إنقاذ الحوار مع الحرص على نجاحه، من شأنه إحباط العرقلة الإسرائيلية.