بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وما بين الرابع والحادي عشر من شهر فبراير ـ شباط 1945، التقى الزعماء الثلاثة روزفلت وستالين وتشرشل، المنتصرون في الحرب ـ استثنوا الجنرال ديغول من ذلك اللقاء ـ على شاطئ البحر الأسود في منتجع يالطة الذي دخل التاريخ من بوّابة ذلك اللقاء. لقد رسموا آنذاك خارطة جديدة لأوروبا واقتسموا عمليا مناطق النفوذ في العالم.
ودون الذهاب إلى حد القول إن هناك نفس أجواء ما بعد الحرب فإنه يمكن التأكيد أن الإدارة الأميركية الجديدة تريد وبأسرع ما يمكن صياغة خارطة جديدة للعلاقات الدولية ابتداء من تسوية النزاعات التي أقحمتها فيها الإدارة السابقة وتستدعي إجراءات «اسعافية». وهكذا بدأت إدارة اوباما بتنفيذ سياسة «اليد الممدودة» نحو مختلف الأطراف المعنية بهذه النزاعات؛وروسيا بالتأكيد هي على رأسها.
اللقاء الأول في عهد اوباما كان بين الرقم «2» في الإدارة الجديدة، نائب الرئيس جو بايدن، والرقم «2» في الحكومة الروسية ووزير الخارجية سيرجي إيفانوف، الجنرال السابق في جهاز الاستخبارات السوفييتي الشهير آل «كي جي بي». كان مكان اللقاء هو ميونيخ في ألمانيا، وكانت أجواؤه «سمن على عسل » كما يقال.
أشار بايدن إلى «اللهجة الجديدة » لإدارته في «العلاقات مع العالم». وأجابه ايفانوف أن الروس «مستعدّون للتعاون مع الإدارة الأميركية الجديدة». هذا «تناغم» بعيد جدا عن أجواء السنوات السابقة، حيث كان فلاديمير بوتين قد وصف الولايات المتحدة، قبل عامين، أنها «ذئب خطير لا يستمع لأحد». وبالطبع بعيد جدا عن أجواء فترة الحرب الروسية ـ الجيورجية في شهر أغسطس ـ آب الماضي 2008 عندما أكّد نائب الرئيس الأميركي السابق ديك شيني أن «العدوان الروسي ـ على جورجيا ـ لن يذهب دون عقاب».
لم تتأخر اللقاءات التالية، حيث قام نائب وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز الذي كان سفيرا لواشنطن في موسكو حتى الربيع الماضي بزيارة إلى روسيا. اللقاء بين السيدة هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية الأميركية، وسيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي، مبرمج في مطلع مارس ـ آذار القادم وفي منظور التحضير لقمّة ميدفيديف ـ اوباما في مطلع أبريل ـ نيسان التالي.
ليس إذن من المبالغة القول إن إدارة اوباما تقوم بـ «قطيعة» حقيقية مع إدارة بوش فيما يخص العلاقة مع روسيا. إن الإدارة السابقة لم «تتعامل» فعليا مع روسيا ـ بوتين وإنّما «استخفّت» فيها ولم تقم لها وزنا عندما شنّت الحرب على العراق وعندما قررت إقامة شبكة الصواريخ عند بواباتها.
والأخطر من ذلك كلّه بالنسبة لموسكو كان الإعلان الصريح من قبل الرئيس السابق جورج بوش عام 2005 في براتيسلافا، العاصمة السلوفاكية، أنه سوف يدعم جميع الانتفاضات «الثورية» فيما كان يشكل حتى الأمس القريب الجمهوريات السوفييتية. ذلك بعد «الثورة الزهرية» في جورجيا و«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا.
عالم ما بعد بوش له معطياته الجديدة. والطرفان الأميركي والروسي لهما في الواقع مصلحة في الحوار. والملفات ذات الاهتمام المشترك عديدة ومتنوعة، منها ما هو ثنائي ومنها ما هو إقليمي ومنها ما هو دولي. ومن أبرزها ملف الاتفاقات الاستراتيجية وملف الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا وملف توسيع إطار الحلف الأطلسي وملف أفغانستان وملفات الشرق الأوسط.
الاتفاقيات الاستراتيجية المعروفة باسم «سالت» الخاصّة بأسلحة الدمار الشامل وعدد الرؤوس النووية وآليات التخزين والتفتيش الموّقعة بين أميركا والاتحاد السوفييتي السابق ينتهي مفعولها في شهر ديسمبر ـ كانون الثاني المقبل.
وبالتالي تشكّل ورشة «مستعجلة» خاصة أنها باهظة الكلفة ولا يتحملّ الاقتصاد الأميركي المنهك والاقتصاد الروسي القائم أساسا على الريع البترولي والغازي أعباء الدخول في سباق تسلّح جديد. لقد ولّى زمن «حرب النجوم» التي أراد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان «عسكرة الفضاء» على أساسها.
وملف الدرع الصاروخي هو أحد مواضيع البحث الرئيسة بين واشنطن وموسكو. وكان هو الموضوع الأساسي في اللقاء الذي شهدته العاصمة الروسية قبل أيام بين المبعوث الدبلوماسي للسيدة كلنتون والمسؤولين الروسيين، على رأسهم ايفانوف. باختصار كانت واشنطن قد حصلت على موافقة بولندة بنصب عشرة منصّات لصد الصواريخ وموافقة الجمهورية التشيكية على نصب شبكة رادار عملاقة أميركية فوق أراضيها.
الأميركيون يرددون أن هذه المنشآت كلّها لها هدف واحد هو حماية بلادهم وحلفائهم الأوروبيين من صواريخ إيران. الروس لا يترددون في التأكيد الصارم أن المقصود هو إحكام السيطرة عليهم وتحجيم قوتهم النووية الضاربة. ويطالبون بالتالي إمّا العدول عن مشروع الدرع الصاروخي أو إشراكهم فيه..
. وإلا فصواريخهم ستُنصب في إقليم كالينينغراد التابع لهم قرب الحدود البولندية. ما تدل عليه عدّة مؤشرات هو أن إدارة اوباما مستعدة للتفاوض مقابل إعادة موسكو النظر في علاقاتها مع إيران تحديدا.
ولا شك أن الروس سوف يطلبون من اوباما إعادة النظر في السياسة الخاصة بتوسيع إطار الحلف الأطلسي. ذلك أن روسيا ترى في توسيع إطار الحلف حتى دول البلطيق وبلدان المعسكر الشيوعي السابق بمثابة اقتراب النار من الجسد الروسي.
وبالتالي تعتبر إجراءات الوقاية من قبلها أمر طبيعي. وإذا كانت روسيا قد وقّعت في 27 مايو من عام 1995 بباريس «الميثاق التأسيسي للعلاقات والتعاون والأمن المتبادل لروسيا والحلف الأطلسي» فإن روسيا اليوم تريد التخلّص من إرث فترة بوريس يلتسين كلها حيث كان الغربيون «يسرحون ويمرحون» على هواهم في روسيا وعلى حسابها. المنطق السائد اليوم هو الرجوع إلى لعبة توازن القوى.
وفي أفغانستان يواجه الأميركيون اليم معضلة تأمين عمليات التموين الضرورية لجنود الحلف الأطلسي، الأميركيين أساسا. طريق باكستان التقليدية لم تعد آمنة. والحل؟. ليس هناك سوى روسيا كممر إجباري. كان قد جرى توقيع اتفاق للمرور عبر روسيا في شهر أبريل 2008، لكن الحرب الجيورجية ـ الروسية جعلته باطلا. الروس لوّحوا مؤخرا بإمكانية العودة إلى روحية ذلك الاتفاق.
هل يمكن التفكير في المحصّلة بإمكانية «مقايضة» بين تعديل في المواقف الروسية حيال إيران وأفغانستان مقابل تعديل في المواقف الأميركية حيال مشروع الدرع الصاروخي وتوسيع الحلف الأطلسي والاتفاقيات حول الأسلحة الاستراتيجية؟. بتعبير آخر هل يمكن تصوّر أن يالطة أخرى تلوح في الأفق، وبدون «تشرشل» أوروبي هذه المرّة؟!
كاتب سوري ـ باريس