اتفاق السودانيين على الاتفاق أو حتى على الاختلاف والسير بحسن النوايا لبناء الثقة بين الحكومة والمعارضة المسلحة بوساطة قطرية ناجحة، في الوقت الذي يتخذ الغرب من مشكلة «دارفور» ذريعة لتفتيت السودان الساعي إلى الوحدة.
ولتهديد رئيس السودان الساعي إلى السلام، هو أمر يدفع على الأمل في إمكانية نجاح الجهود العربية في حل مشاكل الانقسامات الوطنية رغم الانقسامات العربية، نظرا لعلاقة التأثير المتبادل بين ما هو وطني وما هو قومي، ولهذا رحب معظم الوطنيين السودانيين، وجل القوميين العرب بما تم التوقيع عليه في الدوحة بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساوة في الطريق لإحلال السلام في «دارفور ».
فلا إمكانية لنجاح بناء اصطفاف عربي قوي في مواجهة تحديات الخارج بغير النجاح في بناء اصطفاف وطني قوي في مواجهة تحديات الداخل، والطريق إلى بناء اتحاد عربي لا يبدأ إلا من بوابة بناء اتحاد وطني عبر الحوار السياسي وعلى أسس ديمقراطية حقيقية، خصوصا مع ثبوت حقيقة أن أي انقسام أو نزاع وطني في أي بلد عربي يجد صداه بحكم ارتباطات السياسات والمصالح الضيقة بانقسام عربي، والعكس صحيح.
من هنا كان الانقسام الوطني في العراق وفى فلسطين وفى لبنان وفى الصومال وأخيرا في السودان، سواء لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية موضوعية مبررة بفعل أوضاع الداخل، أو مفتعلة مقررة بفعل أجندات الخارج طائفية أو عرقية أو مذهبية، دافعا لكل العرب على اختلاف سياساتهم ومصالحهم لمحاولة احتوائه بالوصول إلى مصالحة أو وفاق حتى لايزيد من تأزيم الوضع العربي، وينقلب من أزمة وطنية إلى أزمة عربية.
ولأن المخطط الغربي المناهض لكل ما هو عروبي وإسلامي، يستهدف منع قيام أية قوة إقليمية عربية أو إسلامية ناهضة أو قوية أو مستقرة، فإن ما يستهدف السودان العربي بتوجهه الإسلامي، الذي يشكل أكبر وطن عربي واعد، هو مخطط عدائي تقسيمي شيطاني متعدد الأذرع والرؤوس لأسباب الفوبيا الغربية ضد العروبة وضد الإسلام. .
ولأنها فوبيا مريضة و جاهلة، فإنها تقوم على الربط الخاطئ بين الإسلام والإرهاب من ناحية، وتستهدف تقسيم السودان إلى دويلات صغيرة لإضعافه وتسهيل السيطرة على ثرواته خصما من القوة العربية، ولهذا تقوم بسعى هستيري محموم لإعلاء النزعات الطائفية والعرقية على العروبة، وبإعلاء النزاعات العنصرية و المذهبية على الإسلام، وتختلق التناقض بين عروبته وأفريقيته، وبين إسلامييه ومسيحييه استمرارا لمخططات التقسيم الاستعمارية.
من هنا فإن أية خطوة إيجابية إلى الأمام ولو جزئية في اتجاه المصالحة الوطنية بإعلاء الوطنية على الحزبية والفصائلية، وفى اتجاه الحوار السياسي بدلا من الحوار العسكري، وصولا إلى الوفاق الوطني بين المعارضات المسلحة والحكومات العربية، هي خطوة في الاتجاه الصحيح لا ينبغي التهوين من شأنها ولا التهويل في نتائجها، بل ينبغي فقط اتخاذها قاعدة للبناء عليها والسير بخطوات متتالية لإنهاء النزاعات الداخلية لتقوية المناعة الداخلية للأوطان العربية ضد الهجمات العدائية الخارجية.
وأي دولة عربية أو إسلامية تسعى بإخلاص بالقول والفعل إلى الصلح بالحق و العدل بين المتقاتلين وللوفاق بين المتنازعين ولإشاعة قيم التعايش والحوار والمحبة، و إلى توحيد مواقف الدول و والجماعات المختلفة تعاونا على إحقاق الحق وإقامة العدل وصنع السلام وطنيا أو قوميا، تستحق بالتأكيد الاحترام والتأييد، فهى بمسعاها الخير أشرف غاية وأنبل هدفا ممن يسعى بأفق قصير أو بغرض صغير بالقول والفعل إلى إشعال الفتن بين المختلفين وإشاعة الكراهية وتعميق الخلافات بين المتخاصمين. والانحياز للباطل نكاية أو مكايدة وتعاونا على الظلم والعدوان لا على العدل والسلام.