عقد في مطلع هذا الشهر مؤتمر في مدينة أبوظبي دعا إليه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية نوقشت فيه قضايا تنمية الموارد البشرية كجزء من عمليات التنمية. إلا أن الجزء الذي استحوذ كثيرا على النقاش هو الجزء الخاص بالعمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون.

فالعمالة الأجنبية في دول المنطقة تمثل عصب النشاط الاقتصادي ولربما الاجتماعي في المنطقة.

وهي بفعل زيادة معدلات استقدامها خلال السنوات الخمس الماضية، فإن أعدادها في السكان وفي القوى العاملة في بعض أقطار المنطقة قد تضاعف أو تثالث. فكل صعود في أسعار النفط يرافقه صعود مماثل في حجم ودور العمالة الأجنبية في الخليج. وقد انعكس هذا على تضاؤل حجم مساهمة المواطنين مقابل الوافدين في قوة العمل في العديد من البلاد الخليجية.

فحجم تمثيل العمل الأجنبي في قوة العمل يزيد على 65% من إجمالي قوة العمل وقد يقترب في ذلك من السبعين. أما على صعيد الدول فإن الرقم في بعضها يتدنى إلى ما دون 8%. وحتى بعض الدول التي كان تمثيل قوة عملها قبل الطفرة النفطية الأخيرة نسبا تتجاوز 35%، فإن الصعود الكبير في أسعار النفط وحالة «الفوران» التي بات عليها تحديدا القطاع الإنشائي وقطاع التجارة والخدمات قد دفعت نحو تدني حجم المساهمة المحلية ورفع المساهمة الأجنبية في قوة العمل.

وهي حالة في بعضها قد لا تكون مرتبطة بحاجة السوق وإنما في حقيقة أن جلب العمالة الأجنبية هي بالنسبة للبعض مصدر للرزق والدخل الوفير. وقد تساهم حالة تضاؤل الدخول وتقلص حجم المشروعات في تقلص العمالة في قطاعي الإنشاء والخدمات إلا أن ذلك لن يقلص من حجم الفائض فيها لأسباب متعلقة بسياسة الاستقدام ذاتها وتوجهات الدول وإجراءاتها. بمعنى آخر أن فائضا في العمالة قد يكون أحيانا مطلوبا لضبط صعود أسعار السلع والخدمات. وهي سياسة تتبناها الكثير من الدول المستوردة للعمالة.

و في الواقع فإن وجود هذه العمالة لا يفرض واقعا وشروطا اقتصادية معينة، بل ان هذا الوجود في كثرته وتعدد أدواره، بل في تمفصله في النشاط الاقتصادي والاجتماعي ولربما الثقافي للمنطقة بات يفرض نوعا من الشروط السياسية الجديدة. هذه الشروط إذا ما قدر لها أن تتحقق فإنها لقادرة على أن تحدث تغييرا مهما فيما نسميه بالهوية السياسية لبعض من مجتمعات المنطقة.

وهي، أي العمالة الأجنبية، بفعل كثرتها العددية، قد باتت تحدث قدرا من التحول في المشهد الثقافي والاجتماعي بمعناه الانثروبولوجي، للمنطقة. ليس ذلك من حيث تأثير هؤلاء ثقافيا واجتماعيا على السكان المحليين لهذه المنطقة، وإنما من حيث أن كثرتهم العددية وطغيانهم الرقمي، قد ابرز حضورا ثقافيا واجتماعيا طغى في ذلك على الحضور المحلي.

وإذا ما كان هناك قدر من المبالغة في الحديث عن المصاحبات الاجتماعية والثقافية وتحميلها، أي العمالة الأجنبية، وزر الكثير من المشكلات الاجتماعية التي بات بعضها يؤرق أصحاب القرار. فانتشار الجريمة والعنف المنظم أحيانا والانحراف المسلكي بأشكاله ومستوياته المختلفة قد بات في بعضه ينسب للعمالة الأجنبية.

ومع ذلك فاننا نقول ان العمالة الأجنبية في حقيقة وجودها وفي تعاظم أعدادها وأدوارها أن هي إلا نتاج لأنماط تنموية متضخمة عن الحاجة الفعلية لمجتمعاتنا المحلية، بقدر ما هي تلبي في بعض مشاريعها، حاجات تتشكل في بعض الأحايين في الخارج، هذه المشاريع التي اعتمدت في استمراريتها على الحضور المكثف للعمالة الأجنبية بل بات هذا الحضور شرطا لاستمراريتها.

ومع ذلك فاننا نقول ان الحضور المكثف للعمالة الأجنبية في ظل تصاعد المطالبات الدولية بالتوطين، قد يقود، إذا ما سمح له أن يستمر، وإذا ما تم القبول بهذه الضغوط أو الشروط، إلى تشكل جديد في الهوية السياسية لهذه المنطقة. بل يمكن القول ان هويات جديدة قد تتشكل في هذه المنطقة معيار المواطنة فيها ليس هو الانتماء السياسي أو التاريخي لهذه المنطقة وإنما للموقع الاقتصادي الذي بات الأفراد يحتلونه.

وهي مواقع وأدوار لا يلعب فيها السكان المحليون إلا أدوارا هامشية. فان تصل نسبة مساهمة المواطنين في القوى العاملة إلى ما دون 8% من الإجمالي العام للقوى العاملة وإلى حوالي 15% من إجمالي العام للسكان أو ما دون ذلك، إنما يعبر في بعضه عن خلل هيكلي قد يقود إلى تحولات في الهوية السياسية للمنطقة، وإن جاء ذلك على المدى الزمني البعيد، واعتقد أن خطوات ولو بسيطة ومحدودة تعكس هذا القلق، وإن جاءت متأخرة خيرا ألف مرة من أن لا تأتي، وعندها لا ينفع الندم.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com