لا يكتفي الغرب في حربه المستعرة ضد العرب والمسلمين بالمذابح الدموية التي يمارسها ضدهم في الكثير من المناطق، بل إن حروبه العسكرية هي الخطوة الأولى في معركته الثقافية التي تهدف لإبادة الهوية وتغيير الثقافات والعادات والتقاليد. وحتى تكتسب تلك الحرب مشروعيتها فإنها تستند دائما وأبدا إلى الحرب على الإرهاب ونشر القيم التنويرية الكونية الجديرة بالاحترام والتقدير. فكل ما يتعلق بالأحداث الكونية يرتبط بالحرب على الإرهاب، وعلى العرب والمسلمين وكل ما يمت لهم بصلة.

والغريب في الأمر أنه ما من حدث يمر بنا أو ظاهرة تحدث لنا إلا ويتم تفسيرها في ضوء الحرب على الإرهاب. يستند الغرب في ذلك إلى عدد كبير من المراكز البحثية المتعلقة بمقاومة الإرهاب وتحقيق السلام والتحليل الاستراتيجي للشؤون الكونية والشرق الأوسطية. كما يستند إلى مجموعة من الكتاب والمحللين سواء الأميركيين منهم أو المتأمركين المهاجرين من عالمنا العربي.

وإذا كان المرء يمكن أن يجد تفسيرا لما يقوم به الأميركيون الأصليون عبر كتاباتهم التي تقطر حقدا وكراهية فإنه لا يجد تفسيرا لهؤلاء المتأمركين سوى ذلك الشعور بالضعة والخسة الذي يوجه كتاباتهم ويلازمهم من ناحية، والمكاسب التي يحققونها من وراء كتاباتهم التي تحتقر العالم العربي والإسلامي، وتنتقص من ثقافاته وشعوبه من ناحية أخرى.

ومن القضايا الجديدة التي فاجأنا بها بعض المتأمركين أخيرا الربط بين عيد الحب وبين الحرب على الإرهاب. فمن خلال هذه المناسبة التي لا تؤثر من قريب أو بعيد في شعوب المنطقة إلا من خلال بعض النخب التي تروج لمثل هذه المناسبات، يحاول البعض الربط بين عيد الحب والحرب على الإرهاب والرغبة في تغيير المنطقة.

تلتقط تلك الكتابات واقعة من هنا وتصريحا من هناك لتؤسس عليه نموذجا عدائيا ضد العرب والمسلمين. فمن خلال بعض المواقع الإسلامية، ربما المتشددة، التي ترفض الاحتفال بعيد الحب، وتعاديها، يصبح العالم العربي والإسلامي بأكمله في معركة حامية الوطيس ضد التيارات الجهادية التي تعادي عيد الحب.

وفي هذا السياق يتم ذكر بعض ما يعانيه العالم العربي من أمثلة بقدر ما تثير الضحك فإنها تثير الاستغراب والتعجب من تفاهتها وأهدافها التحريضية. فالعالم العربي وفقا لهذه الكتابات التافهة مختنق بالكراهية ويتوق للحب، لذلك فإنه يحارب التيارات الجهادية من خلال عيد الحب الذي يتحول إلى مناسبة قومية تلف أرجاء العالم العربي بكافة شرائحه وفئاته من وجهة نظر هذه النوعية من الكتابات.

كما أن التيارات الإسلامية وجدت نفسها مذعورة تجاه عيد الحب ورغبة العالم العربي في التحول من الجهاد إلى الحب. فالشارع العربي أصبح مكانا متسعا للحب وللعلاقات العاطفية خارج نطاق الزواج الشرعي المعمول به تاريخيا في المنطقة.

كما توجد مقاومة شاملة في العالم الإسلامي للجهاديين من خلال ما يطلق عليه هؤلاء الكتاب «جماعات الحب»، التي تنتشر في الشوارع، وتقاوم بالقبلات وأحاديث الموبايلات واقعا مريرا لا يحكمه سوى الكره والبغض. ومن المضحك أن الشباب العربي في فلسطين حينما يختلي بصديقاته يتحرك نحو المناطق الإسرائيلية حتى ينعم بالحرية وبالعشق في أرجاء الدولة العبرية، كما أن الفتيات بدأن الثورة في إيران من خلال تبادل القبلات علنا مع الفتيان.

وحتى تزداد الصورة قبحا تذكر هذه الكتابات أن العالم العربي قد عرف الحب والهوى والعشق من أدونيس وعشتار وكليوباترا وعنتر وعبلة، كما أنه قد عرف أم كلثوم وسعيد عقل والشاب خالد. وأن الجماهير العربية مشدودة برمتها ناحية الفن والغناء، وأن القنوات الفضائية العربية تقوم بدور كبير في نشر الموسيقى والغناء. فإذا كانت الطائرات الأميركية بي 52 قد نجحت في دك تورا بورا في أفغانستان، فإن القنوات الموسيقية والإنترنت سوف تحدث آثارا مدوية في المنطقة، وتدك باقي الأركان العصية على التغيير على حد قول أحد هؤلاء المتأمركين.

هذه هي نوعية التحليلات الحقيرة والسخيفة التي تروج لها العديد من مراكز الإنتاج الغربية، الأميركية بالأساس، للمنطقة وشعوبها. وهي نظرة سخيفة من حيث أنها تضفي على المنطقة صورة نمطية وكأنها خارج التاريخ، وخارج التعاملات البشرية المتطورة. كما أنها تتسم بالحط من كرامة شعوب المنطقة من حيث أنها تفرض عليهم مناسبات لا تمت لهم بصلة، وتريد أن تفرض عليهم نمطا من علاقات الصداقة والحب خارج الأطر الشرعية التي تربت عليها شعوب المنطقة، واستندت إليها في أبعادها الدينية والثقافية المختلفة. كما أنها تتصف بالعنصرية من حيث تمركزها حول الرؤى الغربية المسيحية، ورفضها لأية أطر حياتية خارج المركزية الغربية المتعسفة.

من الضروري الانتباه لمخاطر هذه النوعية من الكتابات التي تروج لحروب تستهدف تغيير الوعي والعقل والثقافة والتاريخ. كما أنه من الضروري أن يقف سيل الفتاوى السخيف في عالمنا العربي، وتدخل رجال الدين فيما يعنيهم ولا يعنيهم على السواء. فالبعض من هؤلاء يساعد بوعي أو بغير وعي على تقديم الحجج لهؤلاء المغرضين من المتأمركين العرب على الواقع الهزيل في عالمنا العربي على الرغم من أن واقع الحياة اليومية يسير في وادي، والفتاوى تسير في وادي آخر، بينما ينعق المتأمركون على الجميع، وينفثون سمومهم المغرضة على كافة مناحي الحياة.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com