كيف يمكن تفسير إصرار نظام حكم معين على الدخول في تحالف عسكري مع دول بعيدة يرفضه شعبه وترفضه الدول المجاورة له، ناهيك عن أن الدخول في هذا التحالف لن يفيد الدولة في أي شيء ولن ينعش اقتصادها المنهار، ولن يزيدها إلا مشاكل وأزمات مع جيرانها، ها هو الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو لا يرى بديلا لانضمام بلده إلى الناتو، ولكن هذا، كما يرى، من الآفاق البعيدة المدى.
ويعتبر يوشينكو من الأنصار الثابتين لتكامل أوكرانيا في الناتو، في حين أن أكثر من نصف سكان البلد يعارضون الانضمام إلى الحلف. وقد حاولت أوكرانيا في عام 2008 مرتين الحصول على الموافقة لدرجها في خطة العمل لنيل عضوية الناتو، وفي المرتين لم يلب طلبها.
وقال الرئيس الأوكراني يوشينكو: «إن الحصول على عضوية الناتو مشروع طويل الأمد، ومسألة وقت. فإن مواطني بلدنا حرموا من معرفة الحقيقة طوال 60 عاما. ومن الضروري منحهم وقتا. ومع ذلك، أنا واثق في قضية واحدة، وهي أن المخرج الوحيد لبلدنا، ولأي بلد آخر، هو نموذج الأمن الجماعي. ولا وجود للبلد، إذا لم يكن آمنا.
وأنا على قناعة بأنه لا يوجد لدى أوروبا أيضا بديل. وإننا جزء من أوروبا، ومن الممكن أن تكون المشاركة في منظومة الأمن هذه السياسة الوحيدة بالنسبة لنا. وأنا متفائل جدا بهذا الشأن». وقال يوشينكو: إذا كان 17 بالمائة من الأوكرانيين فقط قبل 4 سنوات يؤيدون الانضمام للناتو، فإنهم حاليا حوالي 33 بالمائة (وفق نتائج عمليات الاستطلاع).
يذكرنا كلام يوشينكو الآن بنفس الكلام الذي سمعناه منذ ثمانية عشر عاما عندما انهار الاتحاد السوفييتي ووعدونا بأنهار العسل من الديمقراطية والحرية الغربية ولم نر سوى الفقر والجوع والانهيار الاقتصادي، لم تر أوكرانيا في تاريخها أسوأ من العقدين الماضيين في ظل الوعود الغربية، ولا يستطيع يوشينكو أن يجيب للشعب على سؤال « لماذا عضوية أوكرانيا في الناتو؟»، إنه يتحدث عن الأمن وعن أوروبا التي سنصبح جزءا منه، لكنه لا يحدد من الذي يهدد أمن أوكرانيا، وما الفائدة التي ستعود على شعبنا بعد أن نصبح جزءا من أوروبا التي تعاني أكثر من غيرها من الأزمة المالية العالمية.
يرى يوشينكو أن أوكرانيا قد لا تفلح في تذليل عواقب الأزمة الاقتصادية، إذا واصلت الحكومة ممارسة الابتذال وطرح «شعارات شعبوية رخيصة». وأضاف أن الاقتصاد الأوكراني، حسب تقديرات خبراء دوليين، أحد الاقتصاديات التي تضررت جدا من الأزمة. ويتوقع عدد من الخبراء إفلاس البلد. وأكد الرئيس الأوكراني من جديد، أن الميزانية تشكل أحد العناصر الرئيسية في تجاوز الأزمة. وينتقد يوشينكو الحكومة على الميزانية غير الواقعية، ويطالب بتعديلها، إلا أن رئيسة الوزراء تيموشينكو تعلن عن عدم رغبتها في إعادة النظر فيها على الأقل خلال 6 أشهر.
لم نسمع من قبل أن حلف الناتو قدم المساعدات في مواجهة الأزمات الاقتصادية لأي بلد من أعضائه، والأوروبيون الآن ليس لديهم ما يقدمونه للآخرين، بل كل همهم إنقاذ بلادهم من الانهيار، ناهيك عن أنهم يرفضون انضمام أوكرانيا و جورجيا لحلف الناتو حتى لا يغضبون روسيا التي أصبحت بالنسبة لهم أهم بكثير حتى من الولايات المتحدة نفسها، بعد أن أصبحت المورد الرئيسي لهم للطاقة.
كما هي المورد الرئيسي لأوكرانيا أيضا من الطاقة، وبدون مصادر الطاقة الروسية تغرق أوروبا وأيضا أوكرانيا في الصقيع وتتوقف فيها الحياة، ورغم هذا يصر الرئيس يوشينكو على نصب العداء معها، و الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي يهاجم وينتقد فيه يوشينكو روسيا تذهب الحكومة الأوكرانية تطلب من موسكو قرضا بخمسة مليارات من الدولارات لتمويل عجز الميزانية، والأغرب أن موسكو لم ترفض بل طلبت بحث الأمر بجدية حول أوضاع الاقتصاد الأوكراني.
ألا يخجل يوشينكو ويعود لرشده ويفكر جيدا في مصلحة وطنه أوكرانيا. ويتخلى عن طموحاته المدمرة.
كاتب أوكراني