أعلن السناتور الجمهوري جاد جريج انسحابه من الترشيح لمنصب وزير التجارة قبل عرض الموضوع على مجلس الشيوخ للتصديق عليه. ورغم أن تلك هي المرة الثانية التي ينسحب فيها مرشح الرئيس لمنصب وزير التجارة (بعد أن كان بيل ريتشاردسون انسحب بسبب شبهات فساد منظورة أمام القضاء)، ورغم سلسلة أخرى من الانسحابات بعد الترشيح لمناصب عدة، إلا أن واقعة انسحاب جريج تحديدا لها دلالات تستحق التأمل ولا علاقة لها بمأزق الانسحابات المتتالية.
أولى تلك الدلالات هو ما يتعلق بإمكانات العمل العابر للأحزاب والأيديولوجيات في أميركا الراهنة. فقد تلقت إدارة أوباما درسا قاسيا يتعلق بالفارق الهائل بين إدارة حملة انتخابية ممتازة وإدارة دفة الحكم.
ففي الحملة الانتخابية للرئاسة، لم يقدم أوباما نفسه فقط باعتباره المرشح الذي يسعى لتغيير السياسات وإنما تعهد بتغيير جوهر العملية السياسية ذاتها من خلال العمل «العابر للأحزاب والأيديولوجيات». وقد لاقى ذلك التعهد قبولا واسعا خصوصا بين الشباب الذين تاقوا للخلاص من الصراعات السياسية التي طالما حالت دون التوصل لعلاج للمشكلات الكبرى. وما ان تولى أوباما الرئاسة حتى سعى فعلا للاقتراب من خصومه وفتح قنوات للعمل المشترك، فاختار ثلاثة من الجمهوريين لمناصب وزارية ؟
منهم جاد جريج- وذهب بنفسه للقاء قيادات الحزب الجمهوري في الكونغرس وقام بتعديل مشروع قانون إنعاش الاقتصاد ؟ وهو أول مقترحاته التشريعية- فأدخل عليه بنودا طلبها الجمهوريون وحذف أخرى اعترضوا عليها رغم تذمر قوى مهمة في حزبه.
لكن الواضح أن الحزب الجمهوري يتبع استراتيجية تسعى للتمترس الأيديولوجي والتكتل الحزبي بهدف الحد من الإنجازات التي يمكن أن يحققها أوباما الأمر الذي يخصم من رصيده السياسي ورصيد حزبه فيفتح الباب أمام فرص الجمهوريين من جديد بعد أن طردهم الناخبون من البيت الأبيض ومن مقاعد الأغلبية في الكونغرس بمجلسيه. وهو الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول المدى الذي سوف تصل إليه حدة الصراعات السياسية في عهد أوباما.
أما الدلالة الثانية فتتعلق بالمدى الذي اتضح أن أوباما على استعداد لأن يذهب إليه لاجتذاب الجمهوريين والذي ينذر باستمرار انجراف الساحة السياسية نحو اليمين بالضبط كما كان الحال في عهد كلينتون. ففضلا عن تقديمه لتنازلات ضخمة في مشروع إنعاش الاقتصاد، اختار أوباما لوزارة التجارة جاد جريج الذي يعكس سجله السياسي توجهات يمينية تختلف معها بوضوح قطاعات واسعة من الحزب الديمقراطي وقفت وراء أوباما وناصرته حتى فاز بالرئاسة.
وجاد جريج بالمناسبة كان يدعو منذ سنوات قليلة إلى إلغاء وزارة التجارة التي رشحه أوباما لتوليها! لكن الأهم من ذلك كله هو مواقف جريج اليمينية من قضايا الأقليات عموما.
والرجل يأتي من ولاية نيوهابشير التي يمثل البيض أكثر من 95% من سكانها، الأمر الذي يعطى لمثله حرية حركة في اتخاذ مواقف سياسية معارضة لمطالب الأقليات دون تكلفة سياسية تذكر. ولأن وزارة التجارة هي التي يتبعها مكتب التعداد السكاني فقد أعلنت عدة منظمات تمثل الأقليات خصوصا تلك التي تمثل ذوي الأصول اللاتينية معارضتها لترشيح جريج.
وفي واقع الأمر فإن التعداد السكاني موضوع بالغ الحساسية والجدلية في الولايات المتحدة. فالتعداد الذي يتم إجراؤه في بداية كل عقد يتحدد بموجبه أمور كثيرة. فبناء عليه يتحدد مثلا عدد أعضاء كل ولاية في مجلس النواب. فوفق الدستور، تحصل كل ولاية على مقاعد في المجلس بناء على تعداد سكانها.
ومن هنا فإن ولاية كبيرة سكانيا مثل كاليفورنيا لها 53 نائبا في مجلس النواب بينما ولاية صغيرة سكانيا كألاسكا لها نائب واحد في المجلس نفسه. ولما كان العدد الكلي لمقاعد المجلس قد تم تثبيته في مطلع القرن العشرين عند 435 فإن هذا العدد يتم إعادة توزيعه كل عشر سنوات على الولايات الخمسين وفق التغير في تعداد سكان كل منها حيث تخسر بعضها مقاعد بينما يزداد مقاعد بعضها الآخر.
وحين تفوز ولاية بالمزيد من المقاعد أو تخسرها، يتحتم إعادة رسم كل دوائرها حتى تتساوى في عدد سكانها كما ينص القانون . وهناك عادة الكثير من الجدل الذي يحدث بعد كل تعداد سكاني حيث ثبت أن بعض التقنيات المستخدمة تؤدي إلى تجاهل أعداد ضخمة خصوصا من أبناء الأقليات في التعداد. فقد ثبت مثلا أن تعداد 2000 لم يدرج 4 ,1 مليون فرد من أصل أفريقي.
ولأن القانون ينص أيضا على تشجيع رسم الدوائر الانتخابية على نحو يسمح للأقليات بأن تشكل الأغلبية في بعضها، فإن إهدار هذه الأعداد يؤثر بالضرورة أيضا على التمثيل السياسي.
غير أن التعداد السكاني يؤثر أيضا على أمور أخرى كثيرة تتعلق بالميزانية الفيدرالية بل وتوفير الأموال لرعاية الفقراء والمعدمين. ومن هنا اعترضت الأقلية اللاتينية لأن جريج إذا تولى المنصب سيكون مسؤولا عن تعداد 2010، خصوصا وأن مواقفه من المهاجرين قد تؤثر على احتسابهم في التعداد.
وهنا تأتي الدلالة الثالثة للواقعة وتتمثل في رد فعل أوباما إزاء ذلك الاعتراض. فقد أعلن الرئيس أن مكتب التعداد سوف يخضع في عهده للإشراف المباشر للبيت الأبيض، وهو الأمر الذي رفضه جريج لأنه كان بمثابة تقليص لصلاحياته كوزير وكان من أهم أسباب انسحابه.
لكن الأهم من رفض جريج هو خطورة ما فعله أوباما لأنه عالج الموضوع عبر تركيز المزيد من السلطات في البيت الأبيض وتحت إشرافه شخصيا الأمر الذي يطرح التساؤلات حول مدى التغيير الذي يمثله بعد أن وصلت صلاحيات الرئاسة في عهد بوش إلى مستويات مخيفة.
كاتبة مصرية
