في المعادلات السياسية يجب أن يكون طرفا المعادلة متجانسين حتى يمكن التقريب بينهما، لكن اسرائيل دائما تجد في قلب المعادلات مهربا من اي التزامات، والمحصلة النهائية شعور باليأس لدى كل اطراف القضية الفلسطينية ووسطائها من امكانية التوصل إلى حل نهائي مع كل التعقيدات التي تتزايد حول طروحات المفاوضات المرحلية او النهائية لتسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي.
كان الأمل منذ عدة اسابيع أن توصل الانتخابات الاسرائيليين إلى معالم حكومة لديها القدرة على مواصلة التفاوض حتى بلوغ النهايات فإذا بهم (اي الاسرائيليون) امام عقبة جديدة صنعوها بانفسهم ممثلة في احتمال مجيء حكومة يمينية متطرفة إلى السلطة وهذا يعقد الطريق كثيرا امام مفاوضات السلام.
وكلما ترك العالم اسرائيل تسوي قضاياها مع العرب بمفردها كما تريد، كلما تعقدت المسيرة اكثر، ففي يوم من الايام كانت السلطة في اسرائيل مقسمة بين يمين ويسار يتناوبان الحكم ويسعيان إلى التنافس لتقديم شيء جديد يجعل احدهما مقبولا لدى الناخبين، لكن الشعارات التي رفعها اليسار الاسرائيلي كانت شعارات جوفاء وكل المنتمين إلى تيار اليسار الاسرائيلي حين اصبحوا في السلطة سجلوا وحشية في التعامل مع الشعب الفلسطيني وقضيته فاقت كثيرا وحشية اليمين الاسرائيلي المتطرف، ومن ثم تقاربت مفاهيم اليسار واليمين الاسرائيلي في مجال العجز عن التوافق مع مطالب المجتمع الدولي الذي يحض الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على أن تهيئ نفسها لمسيرة تفاوضية تخرج القضية من النفق العميق الذي تردت اليه.
وكانت نتائج الانتخابات الاخيرة في اسرائيل بمثابة شهادة وفاة حقيقية لتيار اليسار الاسرائيلي لعجزه عن تقديم برامج واضحة تتفق مع مفهوم تيارات اليسار السائدة في العالم التي تجنح الى منح الشعوب حق تقرير المصير وتساند حركات التحرر في معظم مناطق العالم.
وفي الحقيقة فإن ممارسات قادة اسرائيل لا تضع حدودا فاصلة بين التطرف والاعتدال، ولدينا مثال بسيط الآن وهو مفاوضات التهدئة التي ترعاها مصر، حيث ما إن تتوارد انباء عن قرب التوصل إلى اتفاق حتى تبادر اسرائيل وتضع شرطا جديدا ينسف مراحل التفاوض المبدئية. وما شرط الإفراج عن الجندي شاليط سوى احدى الذرائع المقصود بها عرقلة اي اتفاق.
حيث المنطق يقول إن الأسرى يبادلون بالأسرى ، لكن في هذه الحالة تريد اسرائيل مبادلة شاليط بفتح المعابر والإبقاء على الاسرى الفلسطينيين في السجون.
ولا نظن أن مجيئ حكومة جديدة في اسرائيل سيغير هذا الاسلوب الملتوي في اية مفاوضات وبعد رفض تسيبي ليفني التحالف مع أي احزاب يمينية لتشكيل حكومة فإن الحكومة المقبلة في اسرائيل قد تكون بائتلاف متطرفين، أي بين حزبي الليكود واسرائيل بيتنا وكلاهما لا يميل إلى قيام الدولة الفلسطينية او التخلي عن القدس او وقف بناء المستوطنات.
اما حزب العمل الذي يقبل بقيام الدولة الفلسطينية فقد خرج من الانتخابات خروجا مذلا لا يضع لمبادراته أي قيمة. هذه هي الخارطة السلبية لترك اسرائيل منفردة بتحديد معالم التفاوض دون ضغوط خارجية يبدو أنه لا مفر منها لصياغة نهاية عادلة لهذا الصراع المزمن.
