كل من يقف على دروس السياسة العربية يراها تلميذاً في صفوف مكافحة الأمية، أي أنها لم تتجاوز ذاتها، وصار الخلاف هو القاعدة، والندرة الالتقاء، حتى إن هناك من أشار إلى قصور عقلي ليس على مستويات القيادات العليا فحسب، وإنما لمن يفلسفون لهم الأفكار والتنظيرات من قطاع كبير من الاختصاصيين والمحللين، لكن شخصاً واحداً تجاوز هذه المحنة الأزلية عندما أعلن الملك عبدالله في مؤتمر القمة الاقتصادية في الكويت المصالحة مع كل دولة أو نظام يختلف مع المملكة في المحيط العربي كله ومن خلال طرف المملكة وحدها.

نتيجة ذلك زيارات متبادلة بين مسؤولين من المملكة وسورية، وبصرف النظر عن فحوى الرسائل، إلا أنها تتصل بطرحٍ موضوعي لكل النتائج السلبية التي جرّها هذا الخلاف، والانعكاسات السيئة على مسار وقضايا الأمة العربية برمتها، ولعل إعادة القنوات المفتوحة بين العواصم الرئيسية في المشرق العربي، الرياض، والقاهرة، ودمشق لا تنعكس الإيجابيات على دول هذا المثلث، وإنما تنعكس على قضايا معقدة مفتوحة على كل الاحتمالات في فلسطين ونتائج العدوان على غزة، ولبنان والسودان، وقدرة هذه الدول على التفاوض حول أي سلام مع إسرائيل في المنطقة وفق منطق المصلحة القومية لا القطرية، والإقليمية.

ثم نأتي للدور المنتظر لتركيا التي بدأت، وبجرأة متناهية، تعيد علاقاتها مع العرب وفق اتجاهات مختلفة تتفق على جعل فرص الأمن الإقليمي خطوة في فتح معابر التعاون الاقتصادي والثقافي ومكافحة الإرهاب، والإعداد لمرحلة أخرى تتساوى فيها المصالح على الجسور المقطوعة..

على المستوى الإقليمي، إسرائيل، انتخبت حكومة يمينية أكثر تطرفاً من سابقاتها، وهو خيار نابع من بقايا المحافظين الجدد الذين جعلوا مبدأ التطرف وسيلة لغلق منافذ السلام، غير أن مجيء حكومة جديدة أمريكية برئاسة باراك أوباما، قد لا تقبل مسألة المفاضلة بين السلام والاعتداءات العسكرية، ولعل إسرائيل أرادت بهذه الانتخابات مواجهة المرحلة الأولى للرئاسة الأميركية، لكن إذا ما التقت الإرادة العربية على طرحٍ موضوعي بالشراكة مع الدولة العظمى بمبدأ المصالح، والتعاون في ميادين اقتصادية وسياسية ومكافحة الإرهاب، فأعتقد أننا سنواجه حكومة لديها القابلية للحوار مع العرب بنفس الندية، ومعنى ذلك أن سياسة الأفق المفتوح قد تكون الوسيلة لإزالة مخلفات حكومة بوش التي سلكت طريق الحرب بزواج مع الدين وفرض المثُل، اللامعقولة على بلدان المنطقة..

وإذا ما عدنا للعلاقات العربية، وإعادة تشكيلها على مبدأ الوفاء لهذه الأمة، والخروج من عقدة «الفوضى الدائمة» والبدء بأسلوب المسؤولية القومية، فإن البلدان المشرقية الثلاثة لديها الإمكانات لأنْ تصبح القيادة العليا لمسار يهدف إلى الخروج من تصاعد الأزمات إلى الحلول، وهذه يجب أن لا تعلق على الأماني، وإنما توضع قيد العمل الذي تفرضه الضرورات، لنأتي بعد ذلك بفتح صفحات التكامل الأمني والاقتصادي وخوض المعارك الدبلوماسية بروح الفريق الواحد..