قبل بضعة أعوام ، وتحديدا في الرابع عشر من فبراير 2005، مدّت يد الغدر أظافرها القذرة لتنهش قسما كبيرا من قلب لبنان من خلال اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ومجموعة من المواطنين الأبرياء الذين ضاعت أسماءهم في وهج الحدث الجلل.

القائمون على هذه الجريمة الجبانة أرادوا بالطبع إطلاق دوامة من العنف والكراهية التي نجحوا بتأجيجها بطرق وأساليب مختلفة، وهي لا تزال قائمة حتى اليوم برغم محاولات التطمين المتكررة التي نرصدها من تصريحات المسئولين بين وقت وآخر على اختلاف انتمائهم العقائدي أو المذهبي.

الذكرى مرّت مؤخرا ضمن مشهد سياسي لافت للنظر، كرّس لدى بعض المراقبين حقائق الشرخ القائم في المجتمع اللبناني والذي تمتد تفاصيله المختلفة حتما إلى ما قبل حادثة الاغتيال النكراء، لكنها تتشعب بعد هذه الحادثة وبشكل مخيف جدا، إلى الشرايين الرئيسية للوطن لتصل إلى قلبه العليل.

وإن أبرز ما ظهر للعلن ، بعد كل هذه الأعوام الطويلة والصعبة منذ حادثة الاغتيال، هو الفرز الخطير في القوى السياسية بين من هو مستذكر للحادثة المأساة ومحاول لاستغلالها سياسيا في معركته الانتخابية المنطلقة بقوة حاليا، وبين متجاهل لها باعتبارها حدثا عاديا لا يستأهل كل هذا الضجيج الإعلامي لأن مشاكل الوطن وهمومه هي كثيرة ولا تحصى، ولأن شهداء الوطن هم كثر ولا يجب تفضيل البعض عن غيرهم لأن في ذلك ظلم لمن قدّم التضحيات الجسيمة..

إنه إذا التقسيم الفريد من نوعه الذي أرادوه خندقا محفورا بدقة لكي يفصل بين مناصري ومحازبي القوى اللبنانية على اختلافها، وليصبح تاليا عن قصد وعن سابق تخطيط وتصميم نقطة ارتكاز رئيسية يعتمد عليها كل من يرغب بالمساهمة في تدمير الهيكل الكبير على من فيه.

وقد بدا لي من خلال استذكار الحدث الجلل مؤخرا، بأن ثمة من يصر على تكريس ظاهرة الانقسام هذه انطلاقا من حسابات ذاتية ضيقة، لاقتناعه بأن مثل هذه الحسابات هي ضرورية جدا لكي يبقى «هو» جزءا من الحياة السياسية، في حين تناسى على ما يبدو أن الشيء الأهم للجميع في الوقت الحاضر هو بقاء الوطن لا بقاء اللاعبين في ساحاته المشتتة.

شخصيا أعتقد أن ذكرى الاغتيال المشئومة هي تاريخ فاصل في الحياة السياسية اللبنانية لأنها أوصلت التطور السياسي في لبنان إلى مرحلة الذروة في ما يتعلق بتحديد الخيارات والعناوين السياسية والوطنية، ووضعت كافة القوى السياسية أمام مرحلة حساسة في كيفية اتخاذ القرارات.

ولا أبالغ حتما إن كنتُ أجزم بأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري قد فتح باب التاريخ على تغييرات لم تكن لتحدث في لبنان في ظل أي تطور سياسي أو أمني آخر، باعتبار أن الذين قرروا اغتيال هذا الرجل أرادوا إنهاء مشروع متكامل كان يمثله ويشكل خطرا كبيرا عليهم.

وهنا تحديدا تكمن تفاصيل الخطأ الذي يقع فيه ممثلو من وصفتُهم بالطرف الثاني في لبنان، والذين يختارون دائما تجاهل مناسبة الاغتيال أو التعامل معها بشكل روتيني وممل للأسباب التي سبق ذكرها. فهؤلاء يبدون من خلال هذا التلكوء كمن يحاول ترسيخ الشرخ القائم، في حين أن المطلوب منهم دائما هو تبني الخطوات الجريئة والمهمة، الهادفة لتقريب المواطنين من بعضهم البعض لا لإبقائهم وراء المتاريس اللعينة.

وهذا لا ينكر على الطرف الآخر حتما ضرورة القيام بخطوات مماثلة في مناسبات أخرى، لكنني أصر على عدم أن يكون ذلك في ذكرى شبيهة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكي لا نكرس في لبنان مبدأ التقارب من خلال مناسبات الاغتيال السياسي لا سمح الله.

بجميع الأحوال، لا أرى أية مصلحة لأي طرف سياسي في لبنان لكي يصر على تجاهل هذه المؤامرة، اللهم إذا كان، والعياذ بالله، مؤيدا لما جرى من قتل وهدم واغتيال. ولا أرى أية مصلحة لبعض سياسيي قوى الثامن من آذار لعدم المشاركة في هذه المناسبة الأليمة. لقد عوّدنا بعض هؤلاء أن يكون جريئا في مواقفه، ثابتا في عقيدته، مخلصا في دعوته للتقارب بين اللبنانيين على اختلاف انتمائهم، فلماذا لم نر أيا منهم خطيبا أو مساهما رئيسيا في تنظيم حفل الاستذكار؟

ولماذا يصر هذا البعض على الخوف من مخاطبة جماهير الرابع عشر من فبراير والتأكيد لهم بشكل علني أنه لا يكن لهم إلا كل الاحترام والتقدير وللوطن الجامع كل الخير والسلام؟ وهل أن إصرارهم على التقوقع في دوائر تحالفاتهم السياسية ، المشتتة أصلا كمثيلتها القائمة ضمن قوى الفريق الآخر، هو أهم فعلا من التمدد نحو التفاصيل الأخرى والكثيرة جدا الموجودة في هذا الوطن؟

أعتقد جازما بأن أي فريق سياسي جدي يجب أن يحرص على التعامل مع أكبر شريحة ممكنة من أبناء الوطن بدلا من الإصرار على التقوقع ضمن دائرة تحالفات مشبوهة لا يمكن أن تكون ثابتة إلى ما لا نهاية بسبب التباين الكبير في الانتماء الفكري والإيديولوجي للقوى المشاركة فيها. إن قوة أي فريق سياسي تبقى محكومة بحجمه الشعبي الحقيقي، ولا أقول المذهبي حتما.

وهنا تنحصر الحكمة في ما أرمي إليه، لأن مصلحة القوى الوطنية الحقيقية تكمن في ضرورة الالتفاف حول بعضها البعض وإزالة المتاريس المرحلية الزائلة لا محالة، فثبات المنطق الوطني هو هدف استراتيجي حتما لمعظم القوى الراغبة ببناء وطني ديمقراطي حقيقي بعد التفاهم على مكوناته الرئيسية طبعا.

حبذا لو شكّلت هذه الذكرى مناسبة لمد الجسور بين الفرقاء المتباعدين، لأنه بذلك فقط يحصل الوطن على شحنة إضافية وضرورية جدا للمساهمة بإزالة الاحتقان القائم منذ زمن بعيد. لعلّها إذا تجربة مفيدة لاستخلاص العبر .. والتوجه أخيرا نحو بناء الوطن الحقيقي.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz