الثورة الإيرانية كفعل تاريخي كبير،تعتبر من أهم الثورات الجماهيرية في القرن العشرين .و منذ أن أرسى آية الله الخميني بعد عودته من المنفى الباريسي عام 1979 ما بات يعرف بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، يتساءل المحللون العرب ، في الوقت الذي تحتفل فيه طهران بالذكرى الثلاثين لنظام آيات الله، هل حققت الثورة وعودها في مجال التنمية الاقتصادية؟

الوقائع تقول إن إيران تواجه تحديين كبيرين .

الأول ، هو العقوبات الاقتصادية المفروضة على هذا البلد ، و التي تمثل الجبهة الأخرى المفتوحة في إطار حرب الأعصاب الجارية على قدم و ساق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران: الخنق المالي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. إنها حرب أكثر سرية يدور رحاها في الوسط غير المسموع في البنوك و الهيئات المالية الدولية.

و كذلك مراكز الشركات الكبرى التي تتعامل مع إيران، و لا سيما في مجال النفط. و الهدف من هذه الحرب ، هو منع سيل تدفق الاستثمارات والقروض نحو إيران وفضلا عن ذلك، فقد كلفت العقوبات الاقتصادية المفروضة من الأمم المتحدة إيران مابين 10 إلى 15 مليار دولار سنويا، إضافة إلى خسارة مليون من الشباب من الحاملين للشهادات الجامعية وظائفهم.

الثاني ، و يتمثل في الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها إيران في الوقت الحاضر، و التي يمكن تلخيصها في الأرقام التالية: فقد بلغ معدل التضخم نحو 29 في المئة، وقفزت البطالة إلى نحو 15 في المئة من نسبة السكان العاملين، بينما بلغت قيمة الأموال الإيرانية المستثمرة في بلدان الخليج العربي نسبة 500 مليار دولار( 387 مليار يورو).

ونظر ا للاستيراد المكثف للخيرات من كل الأصناف الذي تقوم به إيران، فإن الإنتاج المحلي من ( السكر، الشاي، الفواكه، النسيج) تعرض لأشد الأضرار ، حتى و إن تراجعت الأسعار أحيانا، غير أن المضاربة استمرت.

وعندما جاء الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى السلطة في عام 2005، طرح في برنامجه الانتخابي العودة إلى جذور الثورة: أي إعطاء الأولوية للفئات الشعبية الأكثر فقرا، أي هؤلاء ال8 ملايين من الإيرانيين الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر.إذ وعدهم الرئيس نجاد بتوزيع أموال النفط عليهم. غير أن الرئيس نجاد الذي تتسم سياسته بطابع شعبوي واضح المعالم ، مارس الراديكالية التي لم تجلب للبلاد سوى المآسي ، بسبب برنامج إيران النووي.

فعلي الصعيد الاقتصادي ،و نظرا لارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 130 دولارا، فقد كانت بحوزة حكومة نجاد أكثر من 300 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية.وهو ما يعادل الكمية عينها خلال الولايتين للرئيسين السابقين رافسنجاني و خاتمي :ست عشر سنة من الرئاسة.

في مقارنة بسيطة للمرحلتين ، يلمس المراقبون أنه خلال الست عشر سنة السابقة ، تضاعفت القدرة الشرائية للإيرانيين بنحو مرتين، بينما انخفضت القدرة الشرائية للشعب الإيراني في عهد حكومة نجاد بنحو 50 في المائة، على الرغم من التدفق الهائل للعائدات النفطية.ويقول المقربون من الرئيس السابق رافسنجاني ، أنه إذا تم تقسيم عدد سكان إيران البالغ عددهم 70 مليون نسمة إلى سبع مجموعات تعداد كل منها 7 ملايين نسمة، فإننا نجد مجموعة واحدة غنية، و مجموعة واحدة فقيرة، و ثماني مجموعات تنتمي إلى فئات الطبقة الوسطى.

هذا في عهدي رافسنجاني وخاتمي. أما اليوم، فإنه توجد سبع مجموعات فقيرة، و مجموعتان تنتميان للطبقة الوسطى، ومجموعة واحدة غنية جدا. و نستنتج من هذا التحليل السوسيولوجي أن الطبقة الوسطى قد اندثرت، كما هو الحال في العالم العربي. و يتساءل الإيرانيون ماذا جنينا من العائدات النفطية؟

لا شيء، سوى أن الحكومة ترفع الشعارات، و تتحدث عن الدور الإقليمي لإيران في لبنان ، و العراق ، الخ.إنها الكلمات البراقة، لكن الأزمة قابعة في قلب المجتمع الإيراني. والآن ما هو الوضع الذي هو عليه إيران اليوم ، بعد أن انخفض سعر برميل النفط من 147 دولارا إلى أقل من 40 دولارا، في بلد تمثل فيه الصادرات النفطية نصف موازنة الدولة؟

يقول الخبير الاقتصادي سعيد ليلاز المقرب من التيار الإصلاحي الإيراني لصحيفة لوموند الفرنسية تاريخ 11 فبراير 2009:«إن تبعيتنا بالقياس لأسعار النفط هي أكبر خمس مرات مما هي عليه قبل عشر سنوات. و للخروج من هذا المأزق، يجب أن يكون سعر برميل النفط في حدود 70 دولارا.أما الصناديق السيادية من البترو دولارات التي غذت السياسة الشعبوية للحكومة فهي فارغة تقريبا».

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org