بينما لم يتوقف التاريخ الإنساني عن إعطاء الدروس من تجارب الإمبراطوريات الكبرى السابقة للإمبراطوريات الصغرى اللاحقة بدا أن المشكلة لم تكن في صعوبة فهم الدروس التاريخية، وإنما في عدم القدرة على قراءتها بسبب فائض القوة الذي يؤدى إلى غرور القوة الذي يدير الرؤوس ويعمى الأبصار عن الرؤية الواضحة، ويصم الآذان عن سماع أجراس الإنذار، وبالتالي إلى إهدار تلك الدروس وإعادة الوقوع في نفس الأخطاء وحصاد نفس النتائج الكارثية!.

وفى عصرنا الحالي بدا واضحا أن عصر الإمبراطوريات قد ولى، بعد أن أعمتها فوائض القوة عن رؤية حقائق ومتغيرات العالم، وعن قراءة دروس ما سبقتها من إمبراطوريات سادت ثم بادت، لأنها تمددت جغرافيا بأكثر من اللازم، وتوسعت في استخدام القوة بأكثر مما يلزم، فارتدت عليها قوتها بتوليد قوة مضادة لها تلقائيا تسعى لكبح جموحها سواء من داخلها للحد من نزيف كلفتها الاقتصادية وخسارتها الأخلاقية ومآزقها السياسية، وحماقاتها العسكرية بالمراجعة والتراجع..

أو من خارجها بقوة إمبراطورية موازية مناقضة لها و منافسة تسعى لإضعاف قوتها لوراثة مناطق نفوذها، أو بقوة الحق في الحرية والتخلص من طغيانها واستغلالها، أو بمقاومة شعبية تفجرت بقوة الضغط نجحت في معظم التجارب على النيل من هيمنتها وهيبتها وأحرجت قوتها، بما أجبر ها على التراجع والانكماش إلى حدود جغرافيتها المحدودة بعد استنزاف المقاومة لقوتها اللا محدودة.

حدث هذا مع كل الإمبراطوريات الاستعمارية عبر كل العصور وظلت أحداث التاريخ تتغير أشكالها وشعاراتها ووسائلها لكنها مع ذلك ظلت تتشابه نتائجها إلى ما يشبه التكرار وهذا ما أنتج المقولة الذائعة الصيت أن «التاريخ يعيد نفسه» بينما الواقع أن الأباطرة اللاحقين لم يقرأوا دروس الأباطرة السابقين، بأن للقوة مهما بلغ جبروتها لها حدود حين تبلغ قمتها تفقد قوتها ثم تبدأ في الارتداد العكسي.

وهذا ما شهدناه مع آخر الإمبراطوريات الفرنسية والبريطانية التي لم تكن تغرب عنها الشمس، والتي بدأت انحسار ها وغروب شمسها بعد فشل القوة في حرب السويس عام1956، بفعل مقاومة الشعب المصري ودعم الشعوب المناهضة للاستعمار والعدوان، ثم بفعل إنذار الإمبراطورية السوفييتية القوية المضادة، ومنافسة القوة الأميركية الإمبراطورية المنافسة لهما سعيا لوراثة نفوذهما الاستعماري في الشرق.

ومثلما كانت مصر هي الموقع التاريخي الذي شهد بداية النهاية للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، كانت أفغانستان هي الموقع التاريخي الذي شهد بداية النهاية للإمبراطوريتين السوفييتية والأميركية واحدة وراء الأخرى، عندما وقعت الإمبراطوريتان في ذات الأخطاء التاريخية بغزو هذا البلد الصغير، فكان شاهدا على سقوط الإمبراطورية وبداية غروب شمسها!

وفى كتابه «حدود القوة» المنشور في نيويورك، يحدد المؤلف اندرو ج. باسيفيتش العدوان على العراق بعد أفغانستان كدليل على أن للقوة مهما عظمت حدوداً، حيث أن هذا الغزو الأميركي وقف وراء الأزمات التي تعاني منها أميركا اليوم. فدائما: «أحد المظاهر الأكثر مأساوية في التاريخ هو أن كل حضارة تتفاخر بقوتها وتعلن خلودها في اللحظة التي تكون سيرتها نحو الزوال قد بدأت».

وبعد إخفاقاتها وفشلها وهزائمها في قناة السويس مرتين، وفى جنوب لبنان مرتين وفي غزة مرتين، و«الثالثة ثابتة»، هل تتعلم إسرائيل من دروس التاريخ شيئا ينقذها من الزوال؟!

mamdoh77t@hotmail.com