الاهتزاز الأمني الذي شهدته العاصمة اللبنانية، أثار المخاوف؛ بالرغم من سرعة محاصرته وتطويقه. سقوط قتيل وعدة جرحى، في بيروت؛ على خلفية الأزمة المعروفة وبعد عدة أشهر من الهدوء، جدّد التذكير بهشاشة الوضع. ويزيد من التخوف، أن هذا التطور يأتي في وقت يقترب فيه لبنان من استحقاقات مفصلية، هامة.
وكان من الطبيعي أن تستحضر ظروفه، الفصول العصيبة لتلك الأزمة ومحطاتها المعلومة. خاصة ما عرفته من احتكاكات وتفجيرات، كادت أن تدفع بالبلد إلى الهاوية. الاحتواء الفوري للحادثة، ربما خفف من وطأة هذا الاستحضار. لكن وضع البلد لا يحتمل نكء الجراح.
كان اتفاق الدوحة، في مايو الماضي، قد أدّى إلى تراجع مثل هذه الأجواء. مكانها ساد مناخ من الاسترخاء النسبي. في ظلّه جرت مصالحات وعودة إلى التواصل والتحاور، بين الأطراف المتخاصمة.
ومع انتهاء حالة الانسداد وعودة الحياة إلى المؤسسات، نشأت حالة من الترقب الواعد. أو من التعايش الاضطراري، بين الخلافات والاستقرار الحذر. التحاور بين اللبنانيين، مع أنه بقي يراوح مكانه، بعد عدة جلسات؛ لكنه على الأقل نقل الجدل من الشارع إلى الطاولة.
بذلك سدّ حنفية الاحتقان الشعبي، خاصة وأن خطاب التراشق، السياسي والإعلامي، تراجع إلى حدّ بعيد، عما كان عليه قبل الدوحة. ساهمت في ذلك اللقاءات والمراجعات التي حصلت وعلى أعلى المستويات. غير أن عوامل التفجير، بقيت كامنة. الشارع احتفظ باحتقانه، ولو المكبوت. الحلحلة ما زالت غائبة، بخصوص ملفات الحوار.
والبلد لم يخرج بعد من حالة الانكشاف. في ظلّ هذا الواقع، تكون احتمالات العبث بالوضع الأمني، السريع العطب بكل حال، واردة. يعززها، اقتراب لبنان من استحقاقي المحكمة الدولية ـ مطلع مارس المقبل ـ والانتخابات النيابية ـ أوائل يونيو. وهذا ما حصل. وكان يمكن أن يشكل شرارة لانفجار أوسع، لو وقع في لحظة أخرى؛ غاب عنها الاستدراك السريع، الذي تقاطعت عنده مواقف كافة الأطراف. الإجماع على استنكار الحادثة وإدانتها، ساهم في قطع الطريق على تمدّد النار.
التوقيت يرجح أن المراد من العملية، كان إشعال الساحة. صاحب المصلحة في جرّ لبنان إلى الانفجار، يعرف نقاط الضعف ومدى قابلية الوضع للالتهاب. من هنا تبدأ المعالجة، التي إما أن تكون لبنانية، أو لا تكون. ترك الاحتقان على حاله، في الشارع؛ ليس أقل من وصفة لتفجير مؤجل. ترك البلد مكشوفاً، على ما هو عليه؛ ليس أقل من دعوة غير مباشرة للعبث بأمنه. صمامات الأمان لا يوفرها غير بلوغ الحوار خواتمه الوفاقية. على الأقل لاجتياز الاستحقاقين الكبيرين.
