قد تجمع التحليلات والتساؤلات المختلفة في أعقاب نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الأخيرة على الاهتمام بالقادم في المشهد السياسي الإسرائيلي، ما بعد تشكيل الحكومة القادمة برئاسة تسفي ليفني أم برئاسة نتانياهو، وربما يتساءل الجميع: فما الأجندة السياسية المحتملة للحكومة القادمة؟، وما الأفق السياسي المحتمل لأي تسوية سياسية في الملفات الفلسطينية؟، وهل نحن يا ترى بانتظار تسوية أم بانتظار المزيد من الحروب والمحارق؟.

مفيد هنا ان نتذكر أننا أمام ثلاثي من تفريخات حزب الليكود أصلاً، فليفني انشقت مع شارون، ونتانياهو بقي في قيادة الليكود، فضلا عن ان ليبرمان أيضاً من تفريخات حركة «كهانا» وكذلك من الليكود حيث عمل سابقاً مديراً لمكتب نتانياهو عندما كان رئيساً للوزراء.

الكاتب آري شبيط يؤكد هذه الحقيقة في هآرتس قائلاً:«الحملة الانتخابية أدت إلى منظومة سلطوية غير مسبوقة تترأسها ثلاثة أحزاب من خريجي الليكود، منظومة سلطوية من دون اليسار».

وان تحدثنا عن الجنرال باراك قائد المحرقة الأخيرة ضد غزة إلى جانب ليفني وأولمرت، فإننا نصبح في مواجهة أربعة يقودون الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية الأربعة، وكلهم يتبنون عملياً الأجندات السياسية والاستراتيجية ذاتها، والقواسم المشتركة بينهم كثيرة جدا خاصة تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

وفي مسألة افق التسوية، كان مسؤولون فلسطينيون قالوا«إن عملية السلام قد تتواصل في حال فوز ليفني وتشكيلها الحكومة»، إلا أنهم أشاروا إلى «أن المفاوضات أمامها مستقبل أسود حال تشكيل الحكومة من قبل نتانياهو»، وحسب أبو علاء-احمد قريع- فإن ليفني اقرب في مواقفها السياسية للسلطة الفلسطينية.

وحيث فازت ليفني على نتانياهو بأغلبية مقعد واحد، وحيث انها قد تشكل الحكومة الإسرائيلية القادمة، مع ان المؤشرات الإسرائيلية تفيد ان نتانياهو ربما تكون فرصته أفضل في تشكيل الحكومة، أو ربما يتفق الاثنان على حكومة تناوبية لمدة سنتين لكل منهما أو ربما يتفقان على «حكومة وحدة وطنية»، فإلي أي مدى يمكن المراهنة إذن على أن ليفني أفضل للفلسطينيين من الآخرين علما أنها كانت مشاركة بقوة في العدوان الأخير على غزة، وهل ستكون فعلاً مختلفة عن نتانياهو وليبرمان إن أصبحت رئيسة للحكومة الإسرائيلية فعليا؟.

المحلل الإسرائيلي جدعون ليفي كتب في هآرتس تحت عنوان «منافسة المتطرفين» يقول:المرشحون الرئيسيون الثلاثة لرئاسة الوزراء هم شخصيات متطرفة، تسيبي لفني وايهود باراك توجها للحرب في غزة ولذلك ليس لهما مثيل في التطرف، أما بنيامين نتانياهو فأشد منهما تطرفاً في الخطاب فقط، والاعتقاد بأن لفني وباراك يبدوان «معتدلين» في مواجهة نتانياهو «المتطرف» فهذه مجرد خدعة، فكاديما والعمل حزبا الوسط واليسار، جرا إسرائيل إلى حربين فظيعتين خلال عامين، ونتانياهو لم يخرج بعد ولو لحرب واحدة، صحيح أنه يتحدث بصورة أكثر تطرفا من الاثنين الآخرين، الا انه اكتفى بالكلام حتى الآن، بينما تصرف «المعتدلون» بتطرف وجبروت.

ويقول المحلل الوف بن في هارتس تحت عنوان:« هذا وقت التمازج» بعد نتائج الانتخابات:« إن الاستخلاص الذي يترتب على نتائج العملية الانتخابية هو ان على كاديما وحزب العمل ان يمتزجا موحدين صفوفهما في قائمة برلمانية واحدة، فليس هناك فرق ايديولوجي بين العمل وكاديما بحيث يمكنه ان يكون عقبة كأداء لا يمكن تجاوزها على طريق الامتزاج بين الطرفين، كلاهما يجمعان بين الاعتدال السياسي والحزم الأمني».

وفي صدد التطرف اليميني في المزاج الإسرائيلي العام كتب آفي شلون في صحيفة «إسرائيل اليوم» يقول: «إن السبب الجوهري الرئيس لإخفاق العمل كامن في الواقع بالذات، من أجل الدقة، لا يوجد الآن أي إمكان لتسوية سلمية مع الفلسطينيين».

وتحت عنوان:«الخروج الإسرائيلي من صدمة 1977» يعزز الكاتب -ابيرما غولان (هارتس) ما ذهب إليه ليفي وبن قائلا:« ادعاءات تسيبي ليفني بان التقسيم القديم بين يمين ويسار قد مات صحيحة جزئيا فقط، فليفني قصدت الانقسام بين الحمائم والصقور، وقد كانت محقة في ذلك بالتحديد، لأن الجميع أصبحوا صقورا متشددين، وهي قد تكون حمامة في ريش صقر أو بالعكس، ولكن من كافة النواحي الأخرى الشائعة والمعتادة في العالم، يمكن القول ان كاديما هو يمين معتدل، والليكود يمين غير معتدل وإسرائيل بيتنا يمين متطرف».

وعن نجاح ليفني على نتانياهو خلص المحلل الإسرائيلي عكيفا إلدار في صحيفة «هآرتس» إلى القول «أن الكود السري لكاديما يكمن في المعادلة التي وضعها رؤوبين إدلر وقادت شارون وأولمرت إلى السلطة، ووصلت إلى ليفني، ومفادها، أقتل أكثر ما يمكن من العرب وتحدث أكثر ما يمكن عن السلام».

ويبدو أن هذا الكود المجازري المسلح بالإيديولوجيا ينتقل لديهم من جيل إلى جيل ومن قائد إلى قائد، ومن حزب إلى آخر، لذلك لا غرابة ولا مبالغة في الاستخلاص بان من يتبنى مثل هذا«الكود» ليس مؤهلا بالتأكيد لقيادة أي مفاوضات سياسية تسووية وليس مؤهلا للتوقيع على أي انسحاب حقيقي من الأراضي المحتلة، وبالتأكيد فإن ترجمة هذا« الكود» إلى الأرض عبر الاجتياحات والاغتيالات والمجازر الجماعية من شأنها أن تنسف من الأساس أي احتمالية لأي تسوية سياسية.

إلى ذلك- فكل من كان ضالعاً في الحرب العدوانية المحارقية على غزة- مثل ليفني ؟لا يمكنه ان يتحدث عن السلام، فعندما يشنون مثل هذه الحرب المحرقة ويقترفون مثل جرائم الحرب التي تابعناها على مدار الساعة ضد أطفال ونساء وشيوخ أهلنا في غزة، فان هذا يحمل أجندة ايديولوجية واضحة، وهذا يعني انهم لا ينوون عقد السلام، وإنما يريدون فقط تكريس وتخليد الحروب وزراعة الكراهية والخوف والاستيطان.

كما أن من يصدر تعليماته بإطلاق قذائف الفوسفور الأبيض على السكان المدنيين وتدمير أكثر من خمسة وعشرين ألف منزل ومحو البنى التحتية الخدماتية للناس، بالتأكيد لا يعتزم ان يتحدث في اليوم التالي عن حل الدولتين، اللتين تعيشان بسلام إلى جانب بعضهما البعض. فهم لن يغيروا «كودهم»: «قتل أكثر ما يمكن من العرب والحديث أكثر ما يمكن عن السلام»...!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com