على عكس الترويجات السياسية المطلقة والوصفات الأيديولوجية الجاهزة تبدو الديمقراطية في إسرائيل عائقاً أمام عملية السلام، ووسيلة لتملّصها من استحقاقات اتفاقات التسوية التي عقدتها مع الفلسطينيين، منذ 15 عاماً!

هكذا تمخّضت الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت مؤخّراً، عن نتيجتين، أولاهما، تتمثل بصعود مكانة اليمين، في مقابل تراجع تيارات اليسار والوسط، في المجتمع الإسرائيلي.

وثانيتهما، وتتمثل بعدم استقرار السياسة الإسرائيلية للمرحلة المقبلة، فأياً كان رئيس الحكومة (من كاديما أو الليكود)، ومهما كانت صيغتها (ضيقة أو موسعة أو حكومة وحدة وطنية)، فإنها لن تستطيع الاستمرار بالحكم، وستفضي، آجلاً أم عاجلاً إلى التوجه نحو صناديق الاقتراع، لإجراء انتخابات مبكرة جديدة.

هكذا تمضي إسرائيل في طريقها، بفضل «ديمقراطيتها»، غير آبهة بالفلسطينيين ولا بمصيرهم، مادامت تقيم الأسوار لهم، ومادامت راضية عن استقرار وضعها، وقوتها، وتفوّقها، وعن ضمان الدول الكبرى لأمنها واستقرارها. أما كيف لعبت ديمقراطية إسرائيل على الضد من عملية التسوية، فيمكن تبين ذلك في المجالات التالية:

1 ـ إن طبيعة الديمقراطية السياسية في إسرائيل، وخصوصاً تبني مبدأ الانتخابات النسبية، تتيح لكل المجموعات والتيارات التعبير عن ذاتها، والوصول إلى مقاعد الكنيست. وقد أتاح هذا النظام للأحزاب الصغيرة، وضمنها الأحزاب المتطرفة، ابتزاز الأحزاب الكبيرة وفرض أجندتها عليها. ومنذ توقيع اتفاق أوسلو باتت أحزاب من مثل: إسرائيل بيتنا (لليهود الروس من القادمين الجدد).

وشاس (لليهود المتدينين الشرقيين) ويهوديت هاتوراه (لليهود المتدينين الغربيين) والاتحاد الوطني، تبتز الأحزاب الكبيرة (كاديما والليكود والعمل)، خصوصاً أن أياً من هذه الأحزاب لا يستطيع بمفرده، أو حتى بمعونة حزب آخر، تشكيل الحكومة. طبعاً هذا لا يعني أن الأحزاب الكبيرة كانت جاهزة، أو ناضجة للتسوية، من الأصل، وإنما هذا يوضّح كيف لعبت الديمقراطية لصالح تملصات إسرائيل، وسهلت عليها أمام العالم التهرب من عملية التسوية، وإلقاء المسؤولية زوراً وبهتاناً على الفلسطينيين!

2 ـ اعتماد السياسة الإسرائيلية في القضايا المصيرية على الإجماع. والمعنى من ذلك أن قضية مصيرية، كقضية التسوية مع الفلسطينيين، بأبعادها التاريخية والرمزية، لا يمكن حسمها في إسرائيل على أساس من المعادلة الديمقراطية التي تتعلق بموازين القوى في الكنيست، أو عبر خضوع الأقلية للأكثرية، فهذه القضية تحتاج إلى نوع من التوافق يضم معظم التيارات السياسية. وكما هو معروف لم يكن بالمستطاع تحقيق مثل هذا التوافق، طوال المرحلة الماضية.

وهذا الأمر ينطبق حتى على الليكود؛ فهذا الحزب رغم معارضته للتسوية واعتباره الضفة والقطاع جزءاً من أرض إسرائيل الكاملة («أرض الميعاد»)، إلا أنه لم يستطع ترجمة ذلك بضم هذه الأراضي لإسرائيل، رغم وجوده طويلاً في الحكم (1977 ـ 1992)، وتشكيله عدة مرات حكومة يمينية صرفة.

أيضاً، فإن حزب العمل، عندما كان في الحكم، ما كان بمستطاعه الذهاب بعيداً في أطروحته بشأن الانسحاب من المناطق كثيفة السكان في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ خصوصاً من الضفة الغربية. وبين هذه وذاك تم تجميد حدود الانسحاب (أو إعادات الانتشار) عند المناطق المتوافق عليها، وهذا ينطبق على الانسحاب الأحادي من قطاع غزة (2005).

3 ـ ثمة تغيرات كبيرة دخلت على تركيبة المجتمع الإسرائيلي، في التسعينات، بنتيجة وفود ما يقارب مليون مهاجر من دول الاتحاد السوفييتي السابق.

وكما هو معلوم فإن الدولة الإسرائيلية التي قامت على الهجرة والاستيطان وصهر القادمين في المجتمع الإسرائيلي، مباشرة، تمنح القادمين الجدد الجنسية، وحقوق المواطنة، بما في ذلك حق الانتخاب والترشيح. وبالنتيجة فقد ساهمت هذه الهجرة برجحان كفة اليمين في النظام السياسي، خصوصاً أن هؤلاء المهاجرين جاؤوا مشبعين بالروح الصهيونية الاستعمارية، وبروح الغطرسة ونبذ الآخر.

وقد تضافر ذلك مع تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية، شهدتها إسرائيل، كما شهدها العالم، وتمثلت بالتحول نحو الخصخصة، وتضاؤل دور الدولة، وصعود الفردانية. وهذا يفسر تراجع حزب العمل، حيث انحسرت مؤسسات هذا الحزب، التي كان ارتكز عليها في بنائه الدولة، وفي تعزيز شعبيته، من مثل الكيبوتزات، والهستدروت، والقطاع العام؛ وحتى مؤسسة الجيش لم تعد قبلة جاذبة للشباب.

4 ـ عدم تمكن أية حكومة منذ توقيع أوسلو من استكمال فترتها الدستورية، إذ شهدت إسرائيل، خلال الفترة الماضية، حالاً من عدم الاستقرار السياسي. وهكذا فإن مختلف الحكومات، سواء في ظل حزب كاديما أو الليكود أو العمل، ومن حكومة بيريز إلى نتانياهو إلى باراك إلى شارون إلى أولمرت، ذهبت إلى الانتخابات المبكرة في المفاصل الحاسمة، بدعوى عدم قدرتها في ظروفها على تمرير استحقاقات التسوية وتنفيذ الاتفاقات مع الفلسطينيين؛ وتهرباً من الضغوطات الدولية والإقليمية.

وهذا ما سيتكرر، على الأرجح، مع الحكومة التي تمخّضت عنها الانتخابات الحالية، سواء ترأستها تسيبي ليفني، زعيمة حزب كاديما أو بنيامين نتانياهو زعيم حزب الليكود، أو تم فيها التوافق تبادل ترؤس الحكومة (حكومة برأسين).

هكذا، فثمة أسباب إسرائيلية متعددة، سياسية وأيديولوجية، محلية ودولية، أدت إلى انهيار عملية التسوية مع الفلسطينيين، برغم الالتباسات والتناقضات والاجحافات، التي تعتوره.

ولكن ما يمكن التأكيد عليه هنا، هو أن آليات وديناميات صنع القرار، وطبيعة النظام السياسي في إسرائيل، بما في ذلك انتخاباتها وديمقراطيتها، ساعدت كثيراً على الإطاحة بهذه التسوية، وسهلت على إسرائيل التملص منها، وهو الأمر الذي لم توله القيادة الفلسطينية عنايتها،.

كما لم تلحظه كثير من التحليلات التي فسّرت انهيار هذه التجربة. على أية حال فإن الفوضى الفلسطينية، ساهمت هي الأخرى بدورها، بتسهيل التحولات نحو التطرف واليمين في المجتمع الإسرائيلي، إن عبر الخطابات الديماغوجية، أو عبر العمليات التفجيرية والصاروخية.

ولكن حتى لا نحمل الوضع الفلسطيني فوق طاقته، فمما لاشك فيه أن تغير المعطيات الدولية والإقليمية، لصالح إسرائيل، خصوصاً بدفع من التداعيات الناجمة عن الحرب الدولية ضد الإرهاب، سهلت هذه التحولات ودفعت إسرائيل نحو التملص من عملية التسوية برمتها.

هكذا تستثمر إسرائيل ديمقراطيتها، لتعزيز الاجماعات داخلها، في حين مازلنا نبحث عن معنى وجدوى الديمقراطية عندنا! ومادام الوضع هكذا، فبإمكان العرب والفلسطينيين، في حال أصروا على البقاء في حالهم الراهنة، من التشتت والعجز، انتظار انتخابات إسرائيلية الواحدة تلو الأخرى.

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.orq