من أهم ما نجم عن الأزمة المالية العالمية تصدع خطير في المفاهيم والمعايير وإحساس عميق بالحاجة للتغيير، لكن الدعوة للتغيير ابتسرت في سجال «ثأري» بين المثقفين اليساريين في معظم أنحاء العالم وبين دعاة حرية السوق .
وبالتالي أصبحنا أمام جدل قديم عن: دور الدولة، والتأميم، والأموال الساخنة، والاقتصاد العيني، والاقتصاد الافتراضي، وغاب الإنسان كفاعل رئيس أو قل الفاعل الأول في أي مسعى يستهدف استعادة حال انتعاش اقتصادي، فكما يقول المثل البريطاني «القانون العادل في يد القاضي الظالم ظالم، والقانون الظالم في يد القاضي العادل عادل»، فلا الثقة في الأسواق أنقذت الاقتصاد الغربي من الأزمة ؟ وليست الأولى ؟ ولا الثقة في الدولة مكنت الدول الاشتراكية من المنافسة مع الانهيار.
هذا البعد في الأزمة المالية ذكرني بفكرة عبقرية أشار إليها المفكر المصري الكبير عباس محمود العقاد «رحمه الله»، وهو سماها «ثقة البديهة»، وكانت الفكرة تقول ببساطة إن الاقتصاد هو في المقام الأول «الثقة»، وما الأموال والسلع والقوانين والبنى التنظيمية إلا ثمرة للثقة.
وكان رحمه الله يضرب مثالا بسيطا جدا ومؤثرا لشرح الفكرة، فلو أن أي مستهلك شك - مجرد شك - في أن شخصا لا يعرفه الإطلاق يملك مطعما يمكن أن يتعمد قتله لما أمكن تبادل المنافع إلا بين أطراف يعرف كل منهم الآخر معرفة شخصية مباشرة، وهو ما يعني فعليا توقف حركة التبادل الاقتصادي نهائيا.
وهذه الثقة التي يسميها العقاد «ثقة البديهة» تمتد في كل مجالات تبادل السلع والخدمات ولولاها فعلا لانهارت فكرة «السوق».
وهذا الذي استطاع العقاد اكتشافه ببصيرته قبل أكثر من نصف قرن، تحدث عنه هذا العام المغربي أحمد أبو طالب (أول عمدة عربي في تاريخ مدينة روتردام الهولندية)، يقول أبو طالب: «هناك أبحاث أميركية تبين أن الزيادة بنسبة 10% من الثقة بين المواطنين، تعني الرفع بنسبة 1% في النمو الاقتصادي (حوار مع القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية 5-1-2009).
والصلة بين الثقة والنمو الاقتصادي معناها أن الحديث عن ما يصنع الثقة ليس خروجا بالحوار حول الأزمة المالية عن لب الموضوع وليس نزوعا «أخلاقويا» متطرفا كما يطيب لكثير من العلمانيين العرب أن يصف تقييم النشاط الاقتصادي وفقا لمعيار مركب تكون الأخلاق من مكوناته، وبخاصة أن الأزمة المالية العالمية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الإجراءات وحدها لا تصنع اقتصادا مزدهرا، وأن الأخلاق يمكن أن تنتج آثارا مادية قابلة للقياس الكمي، لكن هذا الإدراك ؟ للأسف ؟ حدث بعد الكارثة لا قبلها!
وقديما قالت العرب «أخزى الله الرأي الدبري»، أي الرأي الذي لا يتوصل إليه صاحبه إلا بعد وقوع المصيبة، وقد لعب الموقف السلبي المسبق للكثير من العلمانيين العرب من الدور الذي يمكن أن يلعبه الدين في مختلف ظواهر الاجتماع الإنساني، وفي مقدمتها الاقتصاد، دورا في استبعاد تراث هائل من القيم والمعايير التي جاء بها الإسلام لتحكم النشاط الاقتصادي.
وكذلك الخبرات التي راكمتها الممارسة الاقتصادية عبر تاريخ الأمة، والمفارقة أن هذا كان يحدث بينما مؤسسات مالية وأوساط أكاديمية غربية تتحدث بمنتهى التقدير للاقتصاد الإسلامي كمدرسة مختلفة في المفاهيم والممارسات. وصولا إلى الدعوة الصريحة إلى الاستفادة منها كجزء من آليات علاج الأزمة.
وإلى جانب مفهوم دور «الثقة» في الاقتصاد الذي يشار إليه كاختراع أميركي عمره سنوات، هناك القدرة التي لا مبالغة في وصفها بالاستثنائية على الموازنة بين حق الفرد وحق الجماعة، تلك المعضلة التي كلفت البشرية الكثير جدا من الصراعات التي سقط فيها عشرات الملايين من الضحايا، من الاشتراكية الوطنية (النازية) التي طبقها هتلر بالحديد والنار فقرر - لرفع كفاءة الآلة الاقتصادية للدولة - إبادة العجزة والأقليات والمسنين، ومرورا بالشيوعية التي اقتضى تطبيقها تهجير شعوب بأكملها وإبادة عشرات الملايين، حتى أصبح التنظيم الاقتصادي الجماعي يعني حتما «استبعاد» الناس من ليصبحوا مجرد وقود لآلة الاقتصاد الوطني.
أما الرأسمالية ؟ وبخاصة التجارية ؟ فأدت للاستعمار الكولونيالي الذي استعبد شعوبا بأكملها، امتلأ سجله بالخطايا، وعندما جاءت مرحلة الرأسمالية الصناعية قامت على «استعباد» فئات واسعة من المهمشين والفقراء، وبين «الاستعباد» و«الاستبعاد» سارت البشرية مخدرة بالوهم والصلف الأيديولوجي حتى اصطدم رأسها بحائط الأزمة المالية العالمية التي سرعان ما تحولت لأزمة اقتصادية شاملة، لكنها ذكرتني بالعقاد ونبهتني لأهمية تصريحات أحمد أبو طالب!
كاتب مصري
