إدخال إسرائيل، في اللحظة الأخيرة، لقضية الجندي الأسير شاليت، على خط مشروع التهدئة؛ ربما كان مفاجئاً في توقيته، لكن ليس في طبيعته. مثل هذه الممارسة اعتادت عليها، في هكذا ظروف؛ لغرض التخريب وإعادة خلط الأوراق.
استحضار ملف أو مطلب، كان خارج التفاوض، في الدقيقة الأخيرة؛ حيلة تلجأ إليها إسرائيل، للعودة بالموضوع إلى المربع الأول. إما لأنها ترى نفسها محشورة بموافقة الطرف الآخر على ترتيب؛ لم تكن تتوقع قبوله به.
وإما لأن مستجدات قد طرأت على المشهد؛ وقضت الحسابات والمصلحة الإسرائيلية، بأخذها في الاعتبار. الحالة الراهنة، تتوفر فيها ذرائع التراجع الإسرائيلي من الناحيتين. والأهم، على الأرجح، أنه ما كان يروق لإسرائيل، رؤية عملية التقارب الفلسطيني؛ وقد تسارعت خطواتها، بموازاة إنضاج طبخة التهدئة. فكان لا بدّ من فركشة الثانية، لعرقلة الأولى وخلق العقبات في طريقها.
من البداية، ارتضت حكومة أولمرت بالتفاوض حول الأسير، على حدة. أصلاً كانت قضيته مطروحة، قبل العدوان على غزة. وأثناء الأخذ والرد، حول موضوع التهدئة؛ بقي خارج الترتيبات.
لم يطرح كأحد شروطها. بعد حصول التوافق وعشية الإعلان عنه، طلع أولمرت بشرطه المفاجئ؛ الذي أملته عدة اعتبارات، منها معادلة الانتخابات. وهو أشار إليها صراحة، بقوله «إن أي قرار سيتم، لا بد وأن يأخذ في الاعتبار الظروف الجديدة التي ستنجم عن الانتخابات».
أي الحكومة الجديدة القادمة. ولزيادة الإرباك، دعا إلى عقد عدة اجتماعات، سياسية وأمنية مصغّرة؛ للبحث في التطورات والنظر في الخطوات المحتمل اتخاذها، تجاه غزة.
وكأنه بذلك أراد التذكير بالاجتماعات والاستعدادات؛ التي سبقت العدوان على القطاع. تعمّد نشر أجواء حرب وتصعيد، مشابهة.؛ علّه بذلك يحقق أكثر من هدف: يرفع منسوب الضغط لتأمين الإفراج عن شاليت، قبل مغادرته الحكم. يدخل البلبلة على الساحة الفلسطينية لحرفها عن مواصلة استعداداتها للحوار، الذي قد ينتهي بوضع حدّ لحالة الانقسام. كما يكون قد بدأ بتسخين الأوضاع لتسليمها إلى الحكومة المقبلة، وهي في حالة تأزم قصوى.
إسرائيل لا تريد تهدئة، إلاّ بشروطها. تتصرف دوماً على أساس أن تأخذ ولا تعطي. وإذا اضطرت أن تعطي، فلكي تسترده لاحقاً. على رأس أولوياتها الراهنة، الحيلولة دون عودة الوصل والتواصل بين غزة والضفة. حالة التشرذم الفلسطيني، مثالية بالنسبة لها.
اللقاءات الواعدة التي تحصل، منذ أيام، بين «فتح» و«حماس» في القاهرة؛ لا تطيق استمرارها. وبالأخص الوجهة التي تأخذها؛ بما تنطوي عليه من احتمالات تقارب. الرد الطبيعي، من الجانب الفلسطيني؛ ليس سوى تحقيق المزيد من نفس البضاعة المؤرقة لإسرائيل.
