بعد العدوان الإسرائيلي العسكري الغاشم على الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة وارتكابه لأبشع صور العذاب بدأت المهزلة الفلسطينية ومن وراءها المهزلة العربية في احتقار كل ما حدث للشعب الفلسطيني طوال الاثنين والعشرين يوماً من العدوان القاسي على الشعب الفلسطيني.

حماس تريد رفع راية النصر وفرض أجندتها على الواقع الجديد في فلسطين والمنطقة العربية فيما تريد فتح والسلطة الفلسطينية من جهتهما لملمة الجراح وتعيد غزة إلى أحضان سلطتها، وبين هذا وذاك هناك حالة عربية مخجلة تعمل على إشعال نار الخلاف بين الطرفين - وللأسف الشديد- بدلاً من أن تعمل على التعامل مع ما حدث لغزة من منظور واقعي يضع حداً لكل ما تفعله إسرائيل من انتهاكات لا إنسانية للشعب الفلسطيني.

لقد ارتكبت الآلة العسكرية الإسرائيلية أبشع صور العذاب ضد الشعب اللبناني لاسيما في الجنوب في صيف عام 2006 وكانت المهزلة أن شيئاً لم يحدث من قبل العرب أنفسهم لمنع تكرار ما حدث للبنان مرة أخرى سوى الشجب والتنديد، وجاءت أحداث غزة لتبين للعالم العربي بأن إسرائيل لن تتوقف عن عدوانها على الشعوب العربية، فكما جاءت غزة بعد لبنان ستأتي مدينة أخرى بعد غزة، فهل يتعظ الفلسطينيون والعرب؟!

لا يبدو أن الفلسطينيين والعرب يريدون أن يتعظوا، ففتيل الحرب بين الفلسطينيين من فتح والفلسطينيين من حماس وحركات المقاومة مازالت مشتعلة بل وقد وصلت إلى أوج حالاتها.

كما أن فتيل الحرب بين من يسمون بتيار الاعتدال وتيار الممانعة ما زال هو أيضاً مشتعلاً ، فالكل يضع لومه على الآخر رغم الدعوة الكريمة التي تقدم بها العاهل السعودي في قمة الكويت الاقتصادية لردم الخلافات؛ إلا أن هذه الدعوة وإن صفت نوعاً ما الأجواء الشخصية بين القيادات إلا أنها لم تؤد إلى توحيد المواقف في مواجهة ما حدث لغزة وشعبها، فالكل ما زال متمسكاً بموقفه.

وللأسف أن الجميع لا يريد أن يفهم أن حالة الخلاف الفلسطيني المستعرة وحالة الخلاف العربي المستمرة تجعل إسرائيل تشعر بالنصر مما يشجعها على مواصلة اعتدائها على الفلسطينيين والعرب.

حماس نشطة هذه الأيام في الترويج لنفسها في العواصم العربية والإسلامية التي تقف معها. فرئيس مكتبها السياسي يطلق في عدة عواصم عربية وإسلامية خطبه النارية التي لا تساعد لا من قريب ولا من بعيد على إعادة اللحمة الفلسطينية ولا إنشاء توافق عربي.

فانتقاداته لاذعة للغاية، إلى درجة انه يتحدث عن إقامة مرجعية أخرى تنافس مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها عربيا ودوليا وربما محاولة الإطاحة بها فيما بعد. فالسيد خالد مشعل يشد رحاله إلى إيران ويزور قياداتها السياسية لاسيما مرشدها الأعلى ولا يفكر في زيارة عواصم عربية هامة كالقاهرة والرياض.

توجه مثل هذا لا ينم إلا عن رغبة في الضرب على وتر استمرار حالة الانشقاق والاختلاف العربي بين من يسمون بالمعتدلين وبالممانعين. ولعلها مفارقة غريبة تلك التي نشاهد فيها مطالب الأطراف الفلسطينية في العودة للحوار الوطني. فبالأمس القريب كانت حماس تدعو إلى عقد الحوار الوطني الفلسطيني من دون شروط مسبقة، فيما ترفض اليوم الجلوس والحوار مع فتح والسلطة الفلسطينية من دون وجود شروط مسبقة.

فحماس اليوم هي التي تعرقل العودة إلى الحوار الوطني من منطلق فرض شروط مسبقة تماماً كما كانت تفعل السلطة الفلسطينية قبل الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة. فنشوة الانتصار كما تراها قيادات حماس ووقوف بعض الدول العربية والإسلامية معها إنما جعلها تعتبر أن واقعاً جديداً قد حدث وأن هذا الواقع لابد أن ينعكس على الحوار الوطني الفلسطيني القادم.

وعلى الحالة العربية فإن الصورة لا تقل قتامة حيث إن دعوة العاهل السعودي لحل الخلافات لم تؤد إلا إلى الانفراج المؤقت في العلاقة القائمة بين سوريا والسعودية وقطر ومصر ولكنها لم تؤد إلى وفاق عربي لحل الخلاف القائم. كما أن الدول العربية لم تسع إلى الانتقال نحو حالة الوفاق من خلال إنشاء آلية عربية بين الدول الأربع تلك من أجل ردم الخلافات والتوصل إلى وفاق عربي حول قضية فلسطين بالذات.

لكن ما حدث هو أننا نجد دول الممانعة تجتمع لوحدها ودول الاعتدال تجتمع لوحدها وبين هذا وذاك لا توجد آلية لتفعيل دعوة العاهل السعودي التي ألقاها في قمة الكويت المنصرمة. وإن استمرار هذا الأمر على ما هو عليه لن ينذر إلا بفشل القمة العربية العادية القادمة المقرر عقدها في الدوحة الشهر المقبل.

على الأطراف الفلسطينية والأطراف العربية أن تدرك بأنه لا مصلحة لهم في استمرار حالة الخلافات الدائرة فيما بينهم. وعليهم أن يدركوا بأن الخلافات الفلسطينية هي شأن فلسطيني وعربي وأن الخلافات العربية هي شأن عربي ولا يمكن لنا أن نستنجد بأحد من خارج منظوماتنا. وفي اعتقادنا فإن حالة التأزم العربي- العربي والفلسطيني- الفلسطيني بحاجة إلى مبادرات عربية على مستوى القيادة العربية وليس مسئولي استخبارات وقيادات حزبية وحركية من أجل ردم الخلاف الفلسطيني - الفلسطيني.

مبادرة عربية تجمع العاهل السعودي والرئيس المصري والرئيس السوري والرئيس القطري بالإضافة إلى الرئيس الفلسطيني وكذلك رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وربما رئيس عربي آخر هي حاجة ماسة قبل انعقاد القمة العربية المقبلة.

مبادرة كهذه كفيلة بوضع النقاط على الحروف والتوصل إلى صيغة وفاق فلسطيني - فلسطيني وآخر عربي ؟ عربي. فالدبلوماسية العربية أثبتت خلال الفترة الماضية فشلها على المستوى الدبلوماسي العادي وبالتالي فإنها بحاجة إلى تحرك من قبل القيادة العربية العليا لوضع حد لما يحدث في العالم العربي.

أما ترك الأمور على ما هي عليه تسيره دبلوماسية قيادات الاستخبارات وقيادات ثانوية من الأطراف الفلسطينية تماطل بحجة الانتقال بين القاهرة ودمشق والدوحة لمشاورة قياداتها إنما هو مضيعة للوقت ولا يمكن أن يُجدي ولا يثمر عن شيء.

نحن بحاجة إلى دبلوماسية عربية غير عادية تقودها القيادات العربية الرئيسية وليس أحد غيرها بحيث تتولى هذه القيادات العليا الإشراف على الحوار العربي- العربي ومتابعته بشكل شخصي من خلال آلية عمل تترأسها القيادات العليا في الدول العربية المنخرطة في هذا الحوار. غير ذلك لا يمكن أن يجدي ولا يمكن أن يفيد العالم العربي ومصالحه، فهل تتجاوز القيادات العربية خلافاتها الشخصية لصالح المصلحة العربية المشتركة؟

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com