ربما تبدو القصة معادة أو مألوفة، لكن دعونا نبدأ من هذا السؤال: ماذا يعني أن يتم تصنيف مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر من بين أهم ثلاثين مركزاً للدراسات والأبحاث على مستوى العالم؟
ربما لن يجد السؤال سوى ابتسامة وهزة كتف، ولربما تطوع البعض بتفسير لن يفعل سوى إلقاء تساؤل مبهم عن قيمة ملموسة لتصنيف مركز عربي للأبحاث ضمن أفضل 30 مركزاً على مستوى العالم.
ففي عددها الأخير لشهري يناير وفبراير، قامت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بتصنيف مراكز الأبحاث والدراسات في العالم بأكثر من مقياس ضمن مؤشر اقترحته لمراكز الأبحاث على مستوى العالم. لقد اعتبر المؤشر أن مركز الأهرام هو أفضل مركز دراسات على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. في القارة الإفريقية نفسها، نجد أيضاً «مركز حل النزاعات» في جنوب إفريقيا من أفضل مراكز الأبحاث في إفريقيا جنوب الصحراء.
لكن مهلاً.. كم عدد مراكز الأبحاث في البلدان العربية؟ يبدو أن المصريين ينافسون أنفسهم، فالمفارقة الكبرى هنا هي أن مركز الأهرام يمتلك كل معايير الجدارة لكي يفرض نفسه من بين أفضل مراكز البحث على مستوى العالم، لكن طالما انه الوحيد من نوعه في البلدان العربية، ينتهي الأمر وكأنه مفارقة.. مفارقة مؤلمة حقاً.
المفارقة هذه، ستقودنا من جديد إلى سؤال آخر: أين هي مراكز الأبحاث في البلدان العربية؟ وهل تلعب دوراً ما في صنع السياسات أو اقتراح الأفكار أو الخطط أو البدائل؟ هل تملك شيئاً من التأثير من أي نوع وفي أي ميدان؟
أعرف عدداً من الأجوبة المحتملة، وان كان الإنصاف يقتضي الإشارة لبعض المراكز التي نشأت في السنوات الأخيرة، فان الموضوعية تقتضي أيضاً القول ان جل هذه المراكز يفتقد لأبرز ما يعطي البحث العلمي قيمته: «الاستقلالية». وان شئنا الترفق، فان معظمها مازال يتلمس طريقه. في كلا الحالين نحن أمام الإشكالية نفسها: «الإيمان بالبحث العلمي».
إنني أحوم حول حقيقة أخرى في تلك السطور الآنفة، فالسؤال الأصح الذي يتعين طرحه جاء الآن: ماذا يمثل البحث العلمي بالنسبة للعرب؟
أرجوكم، لا تفصلوا بين الحكومات والشعوب على جاري العادة بإلقاء اللوم على الحكومات وتطويب الشعوب دوماً، هذا تفسير مريح للذهن إلى أبعد الحدود. الأمر ليس سياسة، بل مجتمع، ولعل البحث العلمي نفسه يقترح علينا تفسيراً لهذا الميل المتأصل فينا للأجوبة السهلة والهرب من البحث والمناظرات والمناقشات الخلاقة، وهو أن إراحة الذهن المستمرة بالأجوبة السهلة قد تكون صفة مكتسبة لكن التمسك بها قد يحولها إلى جينات وراثية.
قد يملك كثيرون أجوبة أكثر مما لدي، لكن علاقة الذهنية العربية والثقافة العامة المتوارثة والرائجة بالبحث العلمي هي وجه آخر لمعضلة أخرى لذهنيتنا وثقافتنا العامة: لا نؤمن بالنمو الطبيعي ولا التدرج بل الانقلابات.
أرجوكم مرة أخرى، لا أتحدث عن انقلابات العسكر بل أتحدث عن فعل «الانقلاب» في مدلوله العام والأشمل، طفرات وليست تحولاً طبيعياً لمسار طويل من النمو. ماذا يعني هذا؟ الصبر.
لكي تدركوا قيمة الصبر، تذكروا فقط أن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية أنشئ في العام 1968 أي قبل أربعين عاماً.
أربعون عاماً هي عمر طويل حقاً، لكن هذا كله ذكرني أيضاً بأمثولة أخرى في موضوعنا هذا يكفي أن أمهد لها بسرد واقعة تعكس مفارقة أخرى. فعندما اجتاح الجيش الإسرائيلي بيروت عام 1982 اثر رحيل قوات منظمة التحرير الفلسطينية، كان أول مكان توجه إليه الجنود الإسرائيليون هو «مركز الأبحاث الفلسطيني» واستولوا على وثائقه وعاثوا فيه تدميراً. ما العبرة في ذلك؟
نعم الإسرائيليون يدركون قيمة البحث العلمي، وكان مركز الأبحاث الفلسطيني يمثل لهم هاجساً أكثر من أي هدف آخر ولولا انه امتلك جدارة وقيمة كبرى في النضال الفلسطيني من أجل التحرر، لما كان على رأس قائمة أهداف الجيش الإسرائيلي فور اجتياحه لبيروت.
ليس البحث العلمي الجبار الذي كان يقوم به المركز هو بيت القصيد بالنسبة للإسرائيليين، بل كانت الذاكرة الفلسطينية بأسرها.
كرر الإسرائيليون الأمر نفسه عند اجتياح الضفة الغربية عام 2002، فكانت وزارة الثقافة ومركز الأبحاث والسجل العقاري (الطابو) أول المواقع الفلسطينية التي توجهوا إليها في اجتياح 2002، (الذاكرة وسجل الأرض) لكن العبرة منسية دوماً لدينا بل حتى لدى الفلسطينيين أنفسهم.
لا يتعلق الأمر بالسياسة رغم أن الوقائع والاستنتاجات تجرنا نحوها، وسواء تعلق الأمر بالسياسة أم بغيرها، فان الذهنية العربية لا تكترث للمؤسسة بل للشخص، صديقاً أم عدواً. لا تعتمد البحث والاستقصاء بل المرويات الشفوية، وشايات كانت أم نفاق. على هذا يمكننا أن نعرف الآن لماذا هذا العداء الشديد للبحث العلمي المستقل والدراسات.
كاتب وصحافي بحريني
