على مدى الأيام الأخيرة سجلت عمليات العنف في العراق، بما في ذلك العمليات الانتحارية، زيادة ملحوظة، وفي العديد من المناطق العراقية كذلك، وهو ما يثير التساؤلات مرة أخرى حول الأسباب التي أدت إلى عودة شلالات الدم وإزهاق أرواح عشرات الأبرياء في وسط وشمال وجنوب العراق، بما في ذلك تعرض مواقع ذات أهمية دينية لتلك الأعمال الإجرامية.
من المؤكد أن العراق حقق خلال الفترة الماضية خطوات ملموسة نحو التعافي والسير بخطى واضحة نحو استعادة الاستقرار في ربوع العراق ودعمه بشكل متزايد، وهو نجاح شاركت فيه الولايات المتحدة إلى جانب أبناء الشعب العراقي الشقيق وقياداته الحالية، وهو ما أدى إلى التوقيع على الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة، وهي الاتفاقية التي حددت موعد 2011 لانسحاب القوات الأميركية من العراق، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري خلال محادثاته قبل أيام مع وزير الخارجية الإيراني الذي قام بزيارة إلى العاصمة العراقية بغداد.
وفي الوقت الذي شكلت فيه الانتخابات العراقية الأخيرة لانتخابات مجالس المحافظات، نوعا من النجاح للجهود العراقية لاستعادة الاستقرار، لأنها اتسمت بالشفافية والمشاركة العالية من الناخبين، فإنه يبدو أن هناك عناصر وجماعات وتيارات من داخل العراق وخارجه لا تريد للعراق والشعب العراقي أن ينعم بالاستقرار وأن يسير على طريق ترسيخه بشكل قوي، ليس فقط لان تلك العناصر والجماعات والتيارات شعرت بمدى رفض العراقيين لأفكارها ولمواقفها وتوجهاتها، ولكن أيضا لأنها شعرت بهزيمتها وانحسار دورها وبعزم العراقيين على مواصلة السير نحو ترسيخ الاستقرار في ربوع العراق وهو ما يتعارض على طول الخط مع أهدافها ومصالحها المتمثلة في نشر العنف على أوسع نطاق في العراق والمنطقة من حولها كلما كان ذلك ممكنا على نحو أو آخر.
وبغض النظر عن ارتباطات تلك الجماعات والتيارات والتنظيمات بخطوط مع أطراف خارج العراق، وهي أطراف لا يمكن أن تضمر الخير, ولا يمكن ان تضع المصلحة العراقية في اعتبارها، فإنه بات من المهم والضروري بالنسبة للحكومة والشعب العراقي أن يسعى وبكل السبل الممكنة من أجل التصدي لموجة العنف التي تسعى إلى الانتشار في ربوع العراق والعودة به ليس فقط خطوات إلى الوراء، ولكن أيضا إطالة أمد العنف ونزيف الدماء، وعرقلة عمليات إعادة البناء والتعمير مرة أخرى وهو ما ينتظره أبناء الشعب العراقي الشقيق.
ولان مصلحة العراق كدولة والشعب العراقي كمجتمع هي في تحقيق الاستقرار والعمل على إعادة الاعمار بأسرع وقت ممكن والتهيئة لانسحاب القوات الأجنبية من العراق، فإنه من الطبيعي والضروري أن تلتقي كافة الجهود العراقية المخلصة من اجل وقف نزيف الدم ومن أجل حماية أرواح المدنيين العراقيين، سواء لوضع نهاية لأعمال العنف واستغلال بعض الجماعات الارهابية للأوضاع العراقية لتنفيذ مخططاتها، او لإخراج العراق والعراقيين من حالة الحرب ومناخ المواجهات المسلحة وإضاءة شمعة أمل للمستقبل أمام أبناء الشعب العراقي الذي دفع على مدى السنوات الست الماضية، بل على مدى عقود، ثمنا فادحا من الدماء والأرواح.
وإذا كان العراق يقف الآن على مشارف مرحلة جديدة يمكن أن تدفع به نحو استعادة وترسيخ الاستقرار في ربوعه والحفاظ على وحدته، أرضا وشعبا، وبناء حياة كريمة، فإن تحقيق ذلك يقتضي التقاء كل أبناء الشعب العراقي بتوجهاتهم وتياراتهم ورؤاهم من أجل بناء العراق الجديد الذي يحقق الخير والرخاء والأمن والاستقرار للعراقيين، والذي يسهم أيضا في استعادة الأمن والاستقرار في ربوع الخليج والمنطقة من حوله، والمؤكد أن الشعب والقيادات العراقية قادرة على ذلك.
