دعمت واشنطن الثورة البرتقالية في أوكرانيا وأيدتها مثلما أيدت ودعمت قبلها الثورة الوردية في جورجيا والثورات الملونة الأخرى في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وغيرها من دول العالم، وكل هذا كان تحت شعارات الديمقراطية والحرية الأميركية، واندفعت الشعوب تؤيد هذه الثورات والقائمين عليها طمعا في المزيد من الحرية واعتقادا من هذه الشعوب بأن هذه الثورات ستأتي بأنظمة تفتح لهم أبواب العالم الغربي الحر وتحسن أوضاعهم وتحولهم إلى مجتمعات أكثر تحضرا وتقدما.

ولكن بعد مضي أقل من ثلاثة أعوام اكتشفت الشعوب كذب وزيف هذه الوعود، كما اكتشفت أن واشنطن لن تجلب لهم إلا المزيد من التخلف الاقتصادي والمشاكل الكثيرة مع جيرانهم، حيث لم تستطع واشنطن أن تفي حتى بالحد الأدنى من وعودها وهو انضمام هذه الدول لحلف شمال الأطلسي الذي من المفترض أن واشنطن تهيمن عليه.

الآن استوعبت الشعوب الدرس وعادت تفكر بجدية في مصيرها، ولكن المشكلة باتت قائمة في الأنظمة التي أتت بها هذه الثورات الملونة، هذه الأنظمة التي وضعت كل رهاناتها على الدعم الأميركي ولم تترك لنفسها خط رجعة تعود من خلاله لتقف مع شعوبها، ولقد ذهبت إدارة بوش التي كانت تفرط في الحماس في تأييدها لهذه الأنظمة التي أتت بها الثورات الملونة.

وجاءت إدارة جديدة في البيت الأبيض لها أجندات أخرى تماما واهتمامات مختلفة عن الإدارة السابقة، هذه الإدارة الجديدة التي تواجه أزمة مالية واقتصادية «كارثية» على حد وصف الرئيس الأميركي الجديد أوباما لها، وبات واضحا أن أوراق اللعبة في المنطقة باتت تعود لروسيا تدريجيا.

وبات واضحا للجميع أن الأوروبيين وأيضا الأميركيين باتوا يتقربون من روسيا أكثر فأكثر باحثين عن مصالحهم معها، حيث لا يرى الأوروبيون فاعلية لأية منظومة أمنية في القارة الأوروبية بدون مشاركة روسيا التي أصبحت المورد الأساسي للطاقة من النفط والغاز للأوروبيين، بينما واشنطن تسعى بجدية لتهدئة الأوضاع مع موسكو التي تحتاج لمساعدتها في أفغانستان بشكل كبير.

رغم هذا ما زالت الأنظمة الملونة في جورجيا وأوكرانيا تراهن على واشنطن، ومازال نظام ساكاشفيلي في جورجيا وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة يتحدى روسيا ويسعى لمضايقتها، وهو هنا يضع آخر رهاناته على واشنطن الملهية عنه بعد أن تخلى عنه حلفاؤه الأوربيون تماما وأجمعوا على رفض انضمام جورجيا لحلف الناتو في الوقت الحاضر.

وعلى الجانب الآخر نجد الرئيس الأوكراني يوشينكو يعاني من أزمتين داخلية وخارجية، حيث تصاعدت حدة صراعه مع رئيسة الحكومة تيموشينكو التي قادت معها الثورة البرتقالية، لكن تيموشينكو أدركت مبكرا الاتجاه الصحيح للرياح فغيرت رهاناتها من موسكو إلى واشنطن، أما الرئيس يوشينكو فقد ذهب إلى تصعيد الأزمة مع موسكو.

والتي وصلت ذروتها في أزمة قطع إمدادات الغاز عن أوروبا في الأيام الماضية، وها هو يتهم رئيسة الحكومة تيموشينكو بخيانة مصالح أوكرانيا العليا باتفاقها مع موسكو على قرض مالي تمنحه روسيا لأوكرانيا لمواجهة الأزمة المالية، إذ يعتبر يوشينكو أي لجوء أو استعانة بروسيا خيانة، بينما الهرولة وراء الوعود الوهمية من واشنطن هو الخيار الصحيح.

الآن وبعد أن بات واضحا أن واشنطن لن تعطي الاهتمام لا لجورجيا ولا لأوكرانيا، بل ستسعى مثل الأوروبيين للتقارب مع روسيا، هل يتراجع القادة الملونون مثل ساكاشفيلي ويوشينكو وغيرهما عن رهانهم على واشنطن ويختارون مصالح شعوبهم؟، أم أنهم سيستمرون في طريقهم في وضع رهانهم الخاطئ على الولايات المتحدة المفلسة اقتصاديا بحكم الأزمة المالية، والمفلسة سياسيا بحكم أزماتها في العراق وأفغانستان وخلافاتها المتصاعدة مع حلفائها الأوروبيين ؟