رغم قصرها ورغم أنها تأتي في سياق تقليدي ، إلا أن برقية الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز تضمنت معاني سياسية هامة ؛ لعل من أبرزها تأكيد " ثقته بالعمل معاً بروح السلام والصداقة لبناء عالم أكثر أمناً خلال السنوات الأربع المقبلة " .
وفي هذا الموقف اعتراف واضح من رئيس أقوى دولة في العالم بمحورية وأهمية الدور السعودي في السياسة الإقليمية والدولية، وتجسيد لتوجه الإدارة الأميركية الجديدة في تعزيز جسور التعاون مع أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة، التي كادت تفقدهم خلال السنوات الثماني الماضية بسبب الروح الانفرادية للإدارة السابقة.
إن إدارة الرئيس باراك أوباما تواجه تحديات جساما تتمثل في أسوأ ميراث يمكن أن يتحمله رئيس جديد من رئيس منصرف ، وفي مقدمتها المشكلات الداخلية مثل الأزمة المالية و قضية الرعاية الصحية ، إضافة إلى مشكلات خارجية لها علاقة بالداخل الأميركي .
مثل الحروب التي يخوضها الجيش الأميركي في مناطق مختلفة من العالم ومنها العراق وأفغانستان ، حيث أطلق خلال حملته الانتخابية تعهدات بعودة عدد كبير من الجنود إلى بلادهم. و لا شك أن الرئيس أوباما يحتاج إلى أصدقاء أمريكا التقليديين لمساعدته في إنهاء مشكلات التدخل العسكري الأمريكي دون أن يترك ذلك فراغا أمنيا تملؤه العناصر المتطرفة المناوئة للاستقرار والسلام.
أما أخطر المشكلات التي ستواجه سياسة واشنطن الخارجية فهي قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي ، الذي لم يتمكن أي رئيس أميركي - عدا كارتر - من تحقيق أي تقدم فيه، لأن الوساطة الأميركية اتسمت خلال السنوات الأخيرة بالانحياز للجانب الإسرائيلي.
ومن المؤكد أن أوباما لا يمكنه أن يصنع سلاما في الشرق الأوسط دون عون ومساعدة القوى المؤثرة في المنطقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر.
أما أبرز المشكلات ذات الطابع الثقافي السياسي التي تواجه الإدارة فهي العلاقة المتسمة بالتوتر مع الشعوب الإسلامية ، ولقد أطلق الرئيس أوباما مبادرات نوايا حسنة للعالم الإسلامي عبر حديثه لقناة ( العربية )، إلا أن النوايا لا يمكنها أن تترجم إلى واقع إلا بالإرادة المشتركة بين الجانبين.
وفي أي حوار مع الأمة الإسلامية تأتي المملكة العربية السعودية في القيادة بما تمثله للمسلمين من قيمة روحية باعتبارها حاضنة وخادمة الحرمين الشريفين المسجد الحرم والمسجد النبوي والمشاعر المقدسة، إضافة إلى الميزة الإضافية التي كسبتها الرياض في الآونة الأخيرة باعتبارها مطلقة حوار الأديان لتجنيب العالم صراعا دينيا أو ثقافيا وهو ما بدأ العام الماضي في مكة المكرمة إسلاميا / إسلاميا، ثم انتقل إلى مدريد عالميا، ثم تجسد رسميا في الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون موضوعا رئيسيا يحظى بتغطية سياسية دولية.
وعلى الطرف الآخر تدرك المملكة وشقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي أهمية الدور الأمريكي في حفظ الأمن والاستقرار الإقليمي للخليج العربي الذي يمثل أكبر مصدر للطاقة وموردها إلى المجتمعات الصناعية.
كما تشدد المملكة أيضا على دور عادل ونزيه للوساطة الأمريكية في قضية الشرق الأوسط، يأخذ في الاعتبار مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية، وتعول على النوايا الحسنة للرئيس أوباما في سياسة أميركية رشيدة تتعاون مع الأسرة الدولية حول مشتركات مبدئية و رؤية أخلاقية لإدارة الأزمات الدولية لا تعتمد - مثلما كان في عهد الإدارة السابقة - على القوة العسكرية والتهديد السياسي بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
إن الرياض و واشنطن صديقان تقليديان تجمعهما شراكة استراتيجية قديمة لا يمكن أن تؤثر فيها الحوادث العابرة، والمنتظر من نوايا الرئيس أوباما أن تشهد العلاقات بين البلدين خطوات متقدمة ينعكس أثرها على الأمن والسلام والاستقرار الإقليمي والدولي.
