في الوقت الذي أعلنت فيه معظم دول العالم عن انخفاض سريع في أسعار السلع والعقارات والإيجارات نتيجة الأزمة المالية، وما فرضته من مراجعات لواقع الأسواق الاقتصادية وما اقتضته الحاجة من خطوات لإعادة النشاط فيها، نفاجأ نحن في دولة الإمارات بالأخبار التي تنشرها الجمعيات التعاونية عن خفض الأسعار، والمفاجأة ليست بسبب الإعلان عن خفض الأسعار بقدر ماهى مفاجأة من السياق الذي تأتي فيه تلك الأخبار، والتي تشعر المستهلك ان الجمعيات التعاونية تتفضل عليهم بخفض الأسعار.

بل وتتعاون مع المستهلكين، دون ان تذكر تلك الجمعيات ان ما تعتبره «حملات لخفض الأسعار» لا يتعدى حقيقة الاضطرار إلى هذه الإجراءات كنتيجة لواقع فرضته الأزمة المالية، وما أتت به من تغييرات لم تبق خيارات أمامهم كجمعيات باتت تخشى تراجع أرباحها لاسيما وإنها لم تعد تتوافق واطماع التجار والموردين.

إحدى الجمعيات التعاونية أعلنت منذ يومين عن تنظيم «حملة» لتخفيض حقيقي لأسعار 60 سلعة أساسية معظمها من المواد الغذائية بنسب تتراوح بين 25 إلى 30% حتى نهاية فبراير الجاري تنفيذا لتعليمات وزارة الاقتصاد. ومن يقرأ الخبر يستغرب التسمية التي أطلقتها الجمعية على ما قامت به، فأي «حملة» هذه التي تتحدث عنها الجمعيات في وقت تدرك فيه تماما ان أزمة السيولة المالية ساهمت في الحد من الإنفاق بدرجة كبيرة وفي زمن قصير؟

وأين الخسائر التشغيلية التي كان التجار والموردون يتحججون بها عند مطالبتهم بتخفيض الأسعار يوم كانت ترتفع في فترات متقاربة دون أسباب منطقية؟ ولماذا اعتبرت هذه الجمعيات نهاية الشهر الجاري هو اليوم الذي تنتهي فيه حملتها «الإنسانية» التي كنا نود لو أطلقتها الجمعيات مبكرا في الوقت الذي عصف فيه الغلاء بالأفراد والأسر التي لم تكن قادرة على مواجهة ذلك بكثير من الاحتمال وان واجهته فبشق الأنفس؟

ان الجمعيات التعاونية التي لم تؤد دورها المطلوب وفق مسمياتها في مرحلة ماضية، ولم تعن المستهلك او تقدم له دعما طوال السنوات الأخيرة الا بالقوة وبعد الكثير من المطالبات الشعبية والحكومية لا يحق لها اليوم ان تتحدث عن حملات لتخفيض أسعار سلع توهم بها المستهلكين، فالمستهلكون اليوم يدركون حقوقهم ويدركون واقع الأسواق ويطالبون بتخفيض أسعار جميع السلع أسوة بالدول التي بادرت إلى ذلك في أسواقها المحلية، من منطلق واجب الدعم لمجتمعها المدني واقتصادها الوطني، لكيلا يشهد نموه تراجعا ينعكس بالسلب على أدائها.

فتخفيض أسعار السلع في الجمعيات، او الإيجارات والعقارات هو النتيجة الحتمية التي لابد من ان تكون واقعا نشهده خلال الاشهر المقبلة دون ان يشعر أحد من التجار المستفيدين والمستهلكين من تراجع الأسعار بأن ذلك تفضل وإحسان منهم لأنه ليس كذلك.

إذا كانت وزارة الاقتصاد نفسها قد اعلنت منذ يومين عن قيامها بدراسة لتخفيض أسعار الاسمنت لدى المصانع العاملة في الدولة في ظل انحسار نشاط البناء المرتبط بتراجع قطاع العقارات وتأثيرات أزمة السيولة المالية وانعكاساتها على الأسواق المختلفة، فما الذي سيجعل الجمعيات التعاونية بعيدة عن تأثيرات أزمة السيولة المالية وانعكاساتها لتدعي قيامها بحملات مغرية للمستهلكين؟ لا نطلب إجابات منها كجمعيات بل نطلب منها قراءة واقع السوق في ظل الأزمة العالمية والامتثال له من خلال خفض الأسعار كفرض وواجب وليس كحملة يتفضلون بها!

maysaghadeer@yahoo.com