مما لاشك فيه أن إعلان الرئيس القرغيزي كرمان بك باقييف من موسكو عن عدم تمديد عقد إيجار قاعدة ماناس الجوية التي تعتبر المركز الوحيد للقوات الأميركية في وسط آسيا، والذي ترافق مع سلسلة اتفاقات شملت توحيد أنظمة الدفاع الجوى الروسية ـ البلاروسية، وتأسيس مركز قوات الانتشار السريع التابعة لمنظمة الأمن الجماعي.. هذه التطورات تعنى أن روسيا بدأت بالفعل في إعادة ترتيب نفوذها في وسط آسيا، وتمكنت من إزاحة الوجود العسكري الأميركي ولو بشكل غير كامل.
هذه التطورات كان لابد أن تدفع الغرب لإعادة النظر في مواقفه المتشددة تجاه روسيا عقب حرب القوقاز، والرضوخ لمطلب روسيا باحترام نفوذها ومصالحها في وسط آسيا. خاصة أن موسكو سعت للحوار مع الغرب، بل وقدمت تنازلات في سبيل هذا الحوار.
حيث أعلن سيرغي إيفانوف نائب رئيس الوزراء الروسي في مؤتمر الأمن الدولي الخامس والأربعين بمدينة ميونيخ منذ أيام قليلة أن روسيا لن تنشر منظومات «اسكندر» الصاروخية في مقاطعة كالينينغراد غرب البلاد إذا تراجعت الولايات المتحدة عن مخططاتها الرامية إلى إقامة المنطقة الثالثة من مواقع منظومة الدفاع المضاد للصواريخ في بولندا وتشيكيا. وأكد أن موسكو على استعداد للدخول في مفاوضات بأسرع ما يمكن مع الإدارة الأميركية الجديدة حول هذا الموضوع.
وبات واضحا أن أوروبا قررت أن تحترم المطلب الروسي، وتعدل سياساتها السابقة التي تتجاهل روسيا ومصالحها، حيث أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ياب دي هوب شيفير عن حرص الحلف على مواصلة التعاون مع روسيا مؤكدا على وجود آفاق رحبة لهذا التعاون، وأشار إلى وجود محاور متعددة للتعاون بين الناتو وروسيا، أبرزها منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، و وتهدئة الوضع في أفغانستان، وأضاف أن التوصل إلى صيغة للتعاون المثمر يعتمد على استعداد كل الأطراف لإيجاد تسوية ملائمة، وحلول وسط تراعي مصالح الجميع.
واعتبر الرئيس الفرنسي ساركوزي أن روسيا لا تشكل أي تهديد عسكري بالنسبة لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، ودعا إلى إعادة بناء الثقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي. أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فقد ذهبت أبعد من ساركوزي في التقرب لروسيا حيث اقترحت ضم روسيا إلى هيكلية الأمن الأوروبي، والتعامل بجدية مع مبادرة الرئيس مدفيدف الخاصة ببناء هيكلية جديدة للأمن الأوروبي.
لقد أظهرت هذه التطورات أولويات السياسة الخارجية الروسية، والتي تستند للواقع الملموس، وحقيقة العلاقات الدولية، والتي ترى في مناطق القوقاز ووسط آسيا الحلقة الأساسية لمصالح روسيا الاستراتيجية. فيما تتراجع منطقة الشرق الأوسط إلى الدرجة الثالثة بعد مناطق شرق أسيا، سبب ذلك يعود إلى عدم وجود حليف استراتيجى ومصالح متبادلة مع دول المنطقة تدفع موسكو لتفعيل دورها ومشاركتها في قضايا المنطقة.
ويمكن اعتبار أن الموقف الأوروبى المنفتح على روسيا الذي سيطر على أجواء مؤتمر الأمن الدولي الخامس والأربعين في ميونيخ، عبر عن تفهم أوروبا لتوجهات سياساتها واحترام مصالحها، ومما لاشك فيه أن الخطوات اللاحقة من جانب الاتحاد الأوروبي ستعبر عن مدى وجدية هذا الموقف.
هذه الخطوات التي يجب أن لا تتجاهل رفض روسيا لتوسع الناتو شرقا، ومطلب موسكو بإعادة النظر في مسألة ضم أوكرانيا وجورجيا إلى عضوية حلف شمال الأطلسي، إضافة لدور أوروبي أكثر فاعلية في تجميد خطط نشر الدرع الصاروخية الأميركية على أراضى شرق أوروبا. باعتبار أن احترام الموقف الروسي يفتح الباب أمام مقترح مدفيدف بالتوصل إلى معاهدة شاملة حول الأمن الأوروبي، تستند إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتوضح معنى عامل القوة في العلاقات ضمن المجتمع الأوروبي الأطلسي.
وبدا واضحا أن روسيا تحرص على تحقيق كل هذه الأهداف، ولعل قرار موسكو بالسماح للولايات المتحدة بنقل الشحنات غير الحربية إلى أفغانستان، ترانزيتا عبر أراضيها.يعكس حرص روسيا على إحلال الأمن والاستقرار واحترامها لمصالح المجتمع الدولي والغرب، وهو ما يتطلب تجاوباً غربياً يتمثل في احترام مصالح روسيا من جانب الغرب و تبادل الثقة وحسن النية، والسعي للتعاون بين الطرفين في كل المجالات.