ما كان للتجربة الديمقراطية اليمنية أن تنجز كل تلك التحولات التي شهدتها الساحة الوطنية خلال أقل من عقدين من الزمن، لو أن هذه التجربة تعرضت للكوابح والمعوقات التي تحول دون انتظام استحقاقاتها الدستورية والقانونية وفق مواعيد دقيقة تفاعل معها جميع أبناء الوطن بمسؤولية عالية.

وما كان للشعب اليمني الذي ارتضى الديمقراطية منهاجاً حضارياً أن يصبح هو صاحب الكلمة الفصل والقرار الأول في اختيار من يمثله سواء في السلطة التشريعية أو المجالس المحلية أو في غيرها من التكوينات النقابية والحزبية والإبداعية والجماهيرية وأن يمتلك أيضاً صلاحية انتخاب رئيس الجمهورية عبر صناديق الاقتراع لو لم تتوفر على أرض الواقع الفرص المحفزة لديمومة ذلك التطور الديمقراطي الذي نما في ظل مناخات وطنية آمنة ومستقرة أسهم كل أبناء الشعب اليمني في تكريسها وإحلالها على قاعدة الشراكة والتعاون البناء والإدراك العميق لحقيقة أن الديمقراطية وإن كانت تسمح بتعدد الرؤى والاجتهادات والتباين والاختلاف في وجهات النظر فإنها تتكفل ايضاً بتوزيع الادوار على نحو لا يفقد فيه أحد فاعليته.

فمن يحصل على ثقة الناخبين في صناديق الاقتراع ويحوز على أغلبية الأصوات يتولى مسئولية الحكم وإدارة شئون المجتمع فيما يضطلع الآخر بمهمة «المعارضة» وإعداد نفسه من جديد لخوض الاستحقاق الديمقراطي القادم انطلاقاً من إقناع الناس بصوابية برامجه وجدارته في تقديم الأفضل وكسب ثقتهم.

ومن خلال هذه المعادلة الديمقراطية تتجسد على أرض الواقع مسارات التداول السلمي للسلطة وكذا تكامل الادوار وتصبح السلطة والمعارضة وجهين لعملة واحدة.

ومن هنا فإن الخلاف والتباين لا ينبغي له أن يتحول إلى خصومة أو إلى عامل من عوامل التجاذب الضارة بالمصالح العليا للوطن باعتبار الوطن ومصالحه أسمى من أية مصلحة حزبية أو ذاتية ضيقة.

ومن الواقعية ألاَّ ندع المهاترات الحزبية والمكايدات والمناكفات السياسية تنسينا أن الوطن هو وطننا جميعاً، ومسئولية الحفاظ عليه تقع على عاتق كافة أبنائه في السلطة والمعارضة أو خارجهما .

وتتضاعف الأهمية البالغة لتلك الأسبقية الوطنية في ظل ما تموج به الساحة الإقليمية والدولية من أحداث وتطورات حساسة.

وأخطر ما في هذه المتغيرات أنها تسعى إلى فرض أجندتها السياسية والاقتصادية على الدول الفقيرة والنامية، وقد تجلى ذلك في ما أفرزته بشائر الأيام الأولى للأزمة الاقتصادية العالمية أكان ذلك في زيادة حدة الفقر والبطالة داخل البلدان النامية أو المصاعب الاقتصادية الجمة التي باتت تعصف باستقرار الدول الفقيرة في حين عمدت الدول الصناعية والغنية إلى إغماض عيونها عن رؤية أي شيء سوى أرصدتها المتراكمة في البنوك والمصارف العالمية وعدم تأثرها جراء تلك الأزمة ودون أدنى اعتبار لما يترتب على هذا النزوع الأناني من أخطار على العلاقات الإنسانية.

وتتأكد الحاجة إلى التفاعل الخلاّق مع الاستحقاق الديمقراطي القادم والمتمثل في الانتخابات النيابية في ما ينتظر اليمن اليوم من مستقبل واعد بالتقدم والتطور والنهوض الشامل بعد أن امتلك هذا الوطن الإرادة الفذة التي تمكنه من المضي في صنع تحولاته الديمقراطية والتنموية بجدارة وثقة عالية وهو ما يتطلب من كافة مكونات المجتمع العمل معاً من أجل صيانة هذه النجاحات ورفدها بأخرى.

ومجمل القول أن المصلحة الوطنية تقتضي من جميع المكونات السياسية والحزبية أن تعمل تحت مظلة الاعتبارات الوطنية لا أن يعمل كل لحسابه، حيث أنه مهما اقتربنا أو ابتعدنا فلا يجب أن تدخل الملعب الديمقراطي بخيارات ردة الفعل، أو منظور الربح والخسارة، بل ينبغي دخول هذا الملعب من منظور أننا جميعاً في ظل الديمقراطية رابحون وفائزون بتعظيمنا لفوز الوطن وانتصاره في الاستحقاق القادم انطلاقا من إنجاح الانتخابات البرلمانية في السابع والعشرين من ابريل المقبل، التي لا شك أنها ستمثل محطة جديدة ستنعكس بثمارها على كل اليمنيين بصرف النظر عمَّن سيفوز ومن سيتقدم، لأن الجميع هم أبناء الوطن وبه تتحقق مصالح الجميع.