أميركا على لسان رئيسها الجديد وقادتها العسكريين تعلن بوضوح أن القوة العسكرية لا تحل المشاكل السياسية وأن القوة غير كافية لترتيب حقوق غير مشروعة أو لتحقيق الأهداف، وأن الحوار السياسي والوسائل الدبلوماسية قد تكون هي القوة الحقيقية لحل المشاكل الدولية..
ولهذا تستعد لتسريع الانسحاب من العراق، وتتراجع تدريجيا عن خيار القوة العسكرية في أفغانستان، وتعيد النظر في مشروع الدرع الصاروخي ضد روسيا، وتبحث عن حلول سياسية لقضية فلسطين، وعن حلول دبلوماسية مع إيران، بعد ثبوت فشل كل خيارات استعمال القوة أو التهديد بالقوة.
والتحولات السياسية العالمية تتجه نحو انحسار خيارات القوة الخشنة بالحروب، وانتشار خيارات القوة الناعمة بالحلول السياسية التي ترجمتها في الأشهر الأخيرة تصريحات السياسيين والعسكريين وعكستها آراء الإعلاميين خصوصا في العالم الغربي تشير بوضوح الى أن العالم يتغير وأن أميركا تتغير وأن الغرب يتغير بفعل تجارب الفشل الحربية، وإفلاس المغامرات العسكرية، وعجز كل أسلحة القوة في إثبات أن القوة العدوانية الغاشمة هي الحق أو هي القانون.
وبينما عصر الاستعمار قد ولى من العالم رغم محاولة البقاء أو العودة إلى الأرض العربية والإسلامية، فها هو يحصي خسائره ويراجع مواقفه ويتراجع عن مواقعه في فلسطين وفى العراق وفى أفغانستان، فعصر القوة غير المشروعة يمضى ليغرب في الغرب، وعصر المقاومة المشروعة يجيء ليشرق في الشرق، و زمن هزائم الحق يمضى.
وزمن انتصارات الشعوب يجيء، منذ الهزيمة الأميركية في فيتنام، والهزيمة السوفيتية في أفغانستان، وحتى الإخفاقات الأميركية في لبنان والعراق و الصومال وأفغانستان، وزمن محاولات ابتزاز الشعوب وتجويعها بهدف تركيعها أو بفرض الحصار الجائر والعقوبات الغربية الظالمة بهدف إخضاع إراداتها وإملاء الشروط قد تآكل بفعل فشل كل هذه الوسائل اللا إنسانية عبر العديد من التجارب غير المحسوبة وغير المشروعة سواء مع ليبيا وسوريا وكوريا، أو مع إيران أو السودان وأخيرا في فلسطين.
فلقد بدا واضحا الآن كما لم يكن واضحا من قبل، أن القوة العسكرية مهما بلغت درجتها لا تستطيع وحدها حل المشاكل السياسية حتى لو استطاعت احتلال أوطان الغير و ممارسة الإجرام الحربي والإرهاب الإنساني بأبشع الأساليب همجية ضد الشعوب، وأن الجيوش مهما بلغ عديدها وعتادها لا تستطيع وحدها حسم المعارك بتحقيق نصر عسكري ولا إنهاء الصراعات لصالحها بتحقيق نصر سياسي، حتى لو استطاعت التدمير الشامل للمباني والمعاني والقتل السافل للبشر والشجر..
والذي أصبح ثابتا بعد مئات التجارب وآلاف الدروس كاليقين في عقول ملاك القوة في العالم، أنه رغم بلوغ القوة التدميرية للأسلحة القاتلة حدودا غير مسبوقة، فإن للقوة مهما بلغ جبروتها حدودا في التأثير على الخصم لا تستطيع بعدها أن تتجاوزها، غير أن الأهم أنها حين تبلغ ذروتها يبدأ تأثيرها العكسي السلبي بالارتداد على صاحبها خصوصا في عصر المقاومة.
والذي أصبح ثابتا كاليقين في ضمير ملاك الحق أن الحق هو القوة بل فوق القوة، وأن القوة هي في الإيمان بالحق والقبول باستحقاقاته والاستعداد لتضحياته والصبر على معاناته، وأن النصر في النهاية حليف أصحاب الحق إذا أعدوا ما استطاعوا من قوة وليس أصحاب القوة إذا تجردوا من قوة الحق وتسلحوا بقوة الظلم والعدوان، والنصر مع الصبر في النهاية إذا ما صممت الشعوب المظلومة على حقوقها الوطنية المشروعة وامتلكت الشعوب المحتلة إرادة المقاومة مهما غلا الثمن وطال الزمن.