صدر عن البنك الدولي تقرير التنمية للعام 2009 بعنوان «إعادة تشكيل الجغرافيا». ويركز التقرير على الجغرافيا ـ المكان بوصفها عاملاً مهماً وحيوياً في مسيرة التنمية الشاملة. فالتقرير يضع المكان وسماته والخصائص المرتبطة به كمحدد مهم من محددات التنمية. ولا يستخدم المكان بشكل مجرد، كما جرى الحال في أدبيات التنمية حيث الوصف المتعارف عليه، دول متقدمة وأخرى متخلفة، أو عالم أول وثاني وثالث، لكنه يُستخدم من خلال محددات تحليلية ثلاثة هي: الكثافة والمسافة والانقسامات. فالتقرير يستخدم هذه الأدوات التحليلية الجديدة ليرصد واقع التنمية في العالم، والتباينات الجغرافية المكانية بين منطقة وأخرى، والعوامل التي تؤدي لنمو مكان على حساب مكان آخر.
وتنبع أهمية هذا التقرير من كونه يركز على شمولية وتكامل التنمية؛ بمعنى آخر أنه لم يعد من المجدي تحليلياً التركيز على إقليم بوصفه متقدماً، مع تجاهل الأقاليم المتخلفة الأخرى التي تقع في أحضان هذا الإقليم. كما أنه لم يعد من المجدي لإقليم ما متقدم ومتطور تنموياً أن تظل الأقاليم الأخرى المجاورة له متخلفة وعاجزة عن التطور والنمو.
فمن خلال رؤية جيدة للعولمة لم يعد من الصالح الكوني أن تظل أقاليم تنعم بالتقدم وبجوارها أقاليم أخرى يفترسها التخلف. ولا يتعلق ذلك فقط بالمستوى التحليلي الكوني لكنه ينسحب أيضاً على المستويات المحلية أيضاً. فلم يعد من المقبول وجود مراكز محلية متقدمة وبجوارها العديد من العشوائيات المتخلفة، ولم يعد من المقبول وجود شرائح اجتماعية تنعم بمستويات دخل عالية مقابل شرائح اجتماعية أخرى تعيش على مستوى أقل من دولار واحد في اليوم.
يرى التقرير أن مجمل الإنتاج العالمي يتركز في المدن الكبيرة والأقاليم الرئيسية والدول الغنية. فنصف إنتاج العالم لا يشغل سوى مساحة تعادل 5,1 في المئة من مساحته. وتنتج مدينة القاهرة أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي في مصر وهي تستخدم 5,0 في المئة من مساحتها. وتشكل ولايات جنوب وسط البرازيل الثلاث 15 في المئة من مساحتها ولكن أكثر من نصف إنتاجها. كما تشكل أميركا الشمالية والاتحاد الأوروبي واليابان وعدد سكانها مجتمعة أقل من مليار شخص ثلاثة أرباع ثروة العالم.
ويكشف التقرير خطورة العزلة التي يتم فرضها على أعداد هائلة من السكان في الكثير من مناطق العالم. فالتركز الاقتصادي يستبعد بعض السكان، في البرازيل والصين والهند على سبيل المثال حيث تبلغ معدلات الفقر في الولايات والأقاليم المتأخرة عن الركب ما يزيد على مثلي معدلات الفقر في الولايات المتسمة بالديناميكية. ويعيش أكثر من ثلثي فقراء بلدان العالم النامية في القرى. ويعيش مليار شخص من سكان أشد بلدان العالم فقراً وأكثرها عزلة، معظمها في إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب ووسط آسيا، على أقل من 2 في المئة من ثروة العالم.
من هنا فإن التقرير يؤكد أن بعض الأماكن ناجحة لأنها شجعت التغييرات على أبعاد الجغرافيا الاقتصادية الثلاثة: الكثافة العالية، كما تظهر في نمو المدن، وقصر المسافة، مع هجرة العاملين، ومؤسسات الأعمال للاقتراب من الكثافة، وأخيراً تقليل الانقسامات، مع قيام البلدان بتقليل الحواجز الحدودية ودخول الأسواق العالمية.
تمثل الكثافة عامل جذب حقيقياً لرأس المال والاستثمارات المختلفة، فلن يتجه رجال الأعمال لمناطق تعاني من نقص حاد في الأيدي العاملة. كما لن تتجه رؤوس الأموال لمناطق تعاني من نقص في المواد الخام وضعف في إمكانيات البنى التحتية. من هنا فإن الكثافة تعني ضمن ما تعني كثافة العوامل المهيأة للتنمية في إطار المكان الواحد، بشرياً وتحتياً وخدمياً.
فالمناطق التي يتركز فيها تجمع ما لنشاط معين تنجح أكثر من غيرها، ولعل ذلك يفسر لماذا تتركز النشاطات الصناعية في مدن وأماكن جغرافية بعينها، مستفيدة من الزخم السكاني، ومن وفورات المواد الخام، ومن سهولة الحصول على الخدمات التحتية المختلفة.
لا يعني ذلك أن يظل التركز في هذه المدن دون غيرها؛ فالتقرير يرى أنه من الضروري أن تولي حكومات الدول المختلفة، وبشكل خاص الدول الفقيرة، أهمية كبيرة للعمران الحضري وتنمية المناطق المحلية والتكامل الإقليمي، من خلال إنشاء مدن جديدة بوفورات تنموية جديدة. إن التوسع الحضري المخطط جيداً يمكن أن يدعم الانتقال عبر المسافات المتباينة، حتى ولو كانت بعيدة، كما يقلل من تكاليف شحن المنتجات والمواد الخام المختلفة.
ففي ظل التفاوتات التنموية الهائلة بين الأقاليم المختلفة، تصبح المسافات بينها كبيرة جداً على مستوى التكلفة المادية على الرغم من التقارب الجغرافي اللافت للنظر. ويظهر ذلك على وجه الخصوص في الكثير من مناطق إفريقيا وبعض مناطق أميركا اللاتينية.
ومما يزيد الطين بلة بالنسبة للدول الفقيرة تصاعد الانقسامات العديدة التي تؤدي لزيادة تكاليف النقل وإفشال أية تجارب تنموية حقيقية. فالانقسامات العرقية والدينية والسياسية تجعل المسافات بين الدول هائلة، بل إنها تجعلها أكثر صعوبة داخل البلد الواحد الذي يعاني من هذه الانقسامات. وربما تعتبر إفريقيا وما يجري في الكثير من دولها مثالاً واضحاً على التأثيرات السلبية لمثل هذه الانقسامات على أية تجارب ومحاولات تنموية.
أخيراً يلفت التقرير النظر إلى أهمية التعاون بين الدول المتقدمة والدول الفقيرة حيث يرى أن التفاعل بين الأماكن المتقدمة والأماكن المتأخرة هو مفتاح التنمية الاقتصادية. يفيد التقرير بدرجة كبيرة في مراجعة الكثير من السياسات التنموية في العام العربي، وربما يكشف عن فشلها بشكل أو بآخر في ضوء النزعة القطرية المهيمنة على تجارب التنمية في عالمنا العربي.
وفي ضوء طبيعة التنمية القطرية التي تركز على العواصم وبعض المدن أكثر من بقية الأطراف الأخرى التي تعيش ضمن أسوار وحدود وممارسات المناطق العشوائية. وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للعداء القائم بين مساحة واسعة من الشرائح الاجتماعية الفقيرة وبين النظم السياسية الحاكمة.
كاتب مصري
