تغليب العمل الدبلوماسي السلمي على العمل العسكري الهجومي في السياسة الخارجية الأميركية: هذا هو المبدأ الأساسي الجديد للإدارة الأميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما كما «بشر» به خلال الأسبوع الجاري نائب الرئيس جو بايدن من خلال خطاب علني. إنه تغيير جذري وشامل ينسف نهج عسكرة السياسة الخارجية الذي طغى على عهود الإدارات الأميركية المتعاقبة على مدى عقود زمنية متصلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من لدن هاري ترومان وحتى جورج بوش الابن، لكن هل هو تغيير صادق وجدي؟
إلى أن وصل بوش الابن إلى السلطة كان اعتماد نهج العسكرة ضمنيا. وما فعله بوش هو الخروج بهذا النهج إلى العلن بحيث صار اعتماده رسمياً من خلال وثيقة رسمية أطلق عليها «استراتيجية الأمن القومي» وهي بكلمة واحدة استراتيجية تهدف إلى تحويل العالم إلى إمبراطورية أميركية بالقوة المسلحة، وتقول الوثيقة: ان قواتنا ستكون بالقوة التي تكفي لردع الأعداء المحتملين عن السعي إلى بناء قوة عسكرية بأمل التفوق على الولايات المتحدة أو التساوي معها وبصراحة تامة تنطوي الاستراتيجية على تسفيه القانون الدولي ومؤسساته.
ويعلق خبير أميركي في الشؤون الدولية قائلاً: ان هذه الاستراتيجية تقدم الولايات المتحدة كدولة شرسة تسعى الى استخدام مواردها لاقامة نظام دولي تتحكم فيه تماماً وتقوده الأمر الذي سيحفز الآخرين إلى الالتفاف حول القوة الأميركية والعمل ضدها واحتوائها والرد عليها. وبذلك فإن الاستراتيجية تهدد بجعل العالم أكثر خطورة وانقساماً..
وجعل أميركا أقل أمنا. في سبيل تطبيق هذه الاستراتيجية ابتدعت إدارة بوش أسلوب «الحرب الوقائية» لتستهدف دولاً معينة تنطبق عليها ثلاثة شروط هي: أولاً ان تكون الدولة المستهدفة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. وثانياً ان تكون مهمة بما يكفي للمصالح الأميركية أو الإسرائيلية، وثالثاً ان يكون في الامكان تصويرها للعالم بأنها شريرة وأنها تشكل بالتالي تهديداً ماثلاً للأمن الأميركي. هذه الشروط الثلاثة انطبقت على العراق. فالشرطان الأول والثاني واضحان.. والشرط الثالث يمكن «فبركته» بسهولة.
فقد رأينا كيف ان جورج بوش وتوني بلير وغيرهما من حكام الغرب ظلا يكرران القول في خطاباتهما العالمية بأن «الدكتاتور صدام يقوم بحشد أشد أسلحة الدمار الشامل فتكاً من أجل الاستعداد لشن هجمات عدوانية». هذه الاستراتيجية الأميركية وما انبثق عنها من «نظرية» الحرب الوقائية تبقى سارية المفعول طالما ان إدارة أوباما لم تعلن إلغاءها.
أوباما يعلن انه رسول دبلوماسي يبغض العدوان العسكري. وعليه ان يتبع القول بالفعل.