«يمثّل انتقاصا غير مقبول من السيادة الجيورجية التاريخية عليهما» سوف نمارس لغة الحوار . وسوف نستمع للآخرين. وسوف نستشيرهم. أميركا هي بحاجة إلى بقية العالم، كما أن بقية العالم هو، حسب اعتقادي، بحاجة إلى أميركا». صاحب هذه الكلمات هو جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي باراك اوباما. والمناسبة هي المؤتمر السنوي الخامس والأربعين حول الأمن في مدينة ميونيخ الألمانية.
خطاب نائب الرئيس الأميركي في تلك المناسبة بدا في الواقع كـ«خارطة طريق» لسياسة الولايات المتحدة الخارجية خلال الفترة القادمة. ومن هنا يستحق الدراسة المتأنية في محاولة لاستشفاف الخطوط العريضة لهذه السياسة حيال القضايا التي طرحها بايدن باسم الإدارة الجديدة؛ وكذلك حيال غيرها من القضايا اعتمادا على المنطق الذي يحكمها.
الكلمات واضحة والرسالة واضحة وهي أن الإدارة الأميركية الجديدة تريد القيام بقطيعة حقيقية مع نهج الإدارة السابقة حيال أوروبا التي كان عليها أن «تسمع» ولا «تقول» شيئا؛ وإذا قالت فلا تّسمع ؛كما أثبت واقع تجاهل صوتها عند شن الحرب على العراق في ربيع عام 2003، كأبرز الأمثلة على ذلك. وفي أحسن الأحوال لم تكن الإدارة الأميركية السابقة تنظر إلى أوروبا سوى أنها «مقطورة» تابعة لمركز القيادة العالمي الذي تمثّله واشنطن.
وما قاله نائب الرئيس الأميركي في ميونيخ قبل أيام قليلة حيال أوروبا يتناغم تماما مع ما قاله الرئيس اوباما في خطاب القسَم عندما تحدّث عن مبدأ اليد الممدودة لبقية العالم. وحدد القول باتجاه العالم الإسلامي. وفي الحالتين تترافق «اليد الممدودة» مع عدد من المطالب.
وكان بايدن صريحا عندما قال حيال إيران: «إن إدارتنا هي بصدد إعادة النظر بسياستنا حيال إيران». وإعادة النظر في اتجاه الاستعداد الكامل للحديث مع طهران، ولكن بنفس الوقت على وقف البرنامج النووي الإيراني. ذلك على خلفية اتفاق واشنطن دائما مع باريس ولندن في القول إن هذا البرنامج هو «ذو طبيعة عسكرية» ودون الأخذ بالتأكيدات الإيرانية على أنه «ذو طبيعة مدنية بحتة».
وكان إطلاق إيران لقمر صناعي قبل حوالي أسبوعين بمثابة ناقوس الخطر لدى الأوروبيين لما ينطوي عليه من مؤشرات حول المستوى العلمي والتكنولوجي المتقدّم الذي وصلت إليه وما يؤهلها لتحقيقه في الحقل «الحسّاس». المنطق الأميركي الجديد يختلف عن السابق في القول بالحديث المباشر، ولكن لا يختلف في الواقع عنه في الهدف النهائي.
وهذا ما جاء على لسان نائب الرئيس الأميركي نفسه عندما قال: «سنكون على استعداد للحديث مع إيران ووضعها أمام خيار واضح: فإمّا أن تتابع نهجها الراهن وبالتالي تواجه الضغط والعزلة؛وإمّا تتخلّى عن متابعة برنامجها النووي غير الشرعي ودعم الإرهاب وسيكون لها جزاءً كبيرا». إنه مبدأ «المقايضة» الذي طالما رفعه الأوروبيون.
ولغة حوار «أميركية» جديدة حيال روسيا عبّر عنها نائب الرئيس الأميركي بالقول: «سيكون علينا أن نعيد النظر في الميادين التي قد نستطيع، بل ومن واجبنا، العمل معا فيها». ولكن هذه اليد الممدودة لا تعني أن واشنطن قد تخلّت في عهدها الجديد عن العديد من المواقف الأميركية «المثيرة للخلاف» مع موسكو. وفي مقدمتها عدم التخلّي عن مشروع إقامة الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية «من أجل مواجهة القوّة الإيرانية المتعاظمة» على حد قول نائب الرئيس الأميركي نفسه في ميونيخ. وهذا ما يرفضه الروس بشكل قاطع ويعتبرونه تهديدا مباشرا لأمنهم القومي.
وواشنطن مصرّة أيضا على عدم الاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بدعم من روسيا، وكرد «متأخر» منها على إعلان استقلال كوسوفو في مطلع عام 2008 رغم المعارضة الشديدة لموسكو على ذلك. الأميركيون، وعلى غرار أغلبية الأوروبيين، يرون أن استقلال الإقليمين المذكورين باعتبارهما جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني الجيورجي.
وقد ختم نائب الرئيس اوباما حديثه عن الرؤية الأميركية الجديدة للعلاقة مع موسكو بالقول: «يمكن أن نختلف حول بعض القضايا ولكن يمكن أيضا أن نتعاون حيث تقتضي مصالحنا ذلك». نائب رئيس الوزراء الروسي «سيرغي ايفانوف» اعتبر هذه الجملة الأخيرة لبايدن بمثابة «مؤشر قوي» وإيجابي بالنسبة لمستقبل العلاقات بين البلدين.
وماذا عن الحلفاء الأوروبيين؟.
كان نائب الرئيس الأميركي في غاية الوضوح، ولم يخالف المنطق المعتمّد في الانفتاح أكثر والمطالبة بأكثر، فـ«أميركا سوف تذهب أكثر في تعزيز علاقاتها مع أوروبا، وهذا هو الخبر الجيّد. أمّا الخبر السيئ فهو أننا سوف نطلب من حلفائنا أن يُساهموا أكثر» على حد قوله.
ولا شك ستكون في مقدمة المساهمات المطلوبة استقبال أوروبا لسجناء غوانتانامو، كي يستطيع اوباما الوفاء بوعده بإغلاقه الذي كان قد قطعه على نفسه عندما كان مرشحا . والاستجابة الأوروبية لهذا الطلب لن تواجه صعوبة أوروبية «كبيرة».
أمّا المساهمة الأكبر والأصعب في السياق الحالي فتتعلّق بزيادة المجهود الحربي الأوروبي في أفغانستان. ذلك كتطبيق لمبدأ «تقاسم الأعباء» بين الشركاء الأطلسيين. وقد كان الأمين العام للحلف الأطلسي «جاب دوهوب شيفر«، وعلى خطى نائب الرئيس الأميركي، واضحا عندما لخّص الوضع القائم بالقول أنه إذا كان الأوروبيون يريدون فعليا أن يكون لهم وزنهم في «المعادلة الأطلسية» عليهم أن يرسلوا قوّات إضافية إلى أفغانستان.
إن صعوبة هذا الطلب الأميركي ـ الأطلسي تتأتّى خاصة من تعاظم التردد الأوروبي حيال التورط في الحرب الأفغانية التي لا تلوح أية نهاية لها في الأفق القريب. وإذا كانت هناك نهاية فلا تبدو في الاتجاه الذي يرغبه «الأطلسيون».
بكل الحالات هناك موعد هام سيتضح فيه أكثر إذا كان هناك جديد في العلاقات الأميركية ـ الأوروبية. ويتمثّل في القمّة الأطلسية التي ستشهدها مدينة ستراسبورغ الفرنسية في مطلع شهر ابريل القادم.
– كاتب سوري – باريس
