السياسة تكاد أن تحتل جزءاً أساسياً من اهتمامنا. لا نتحدث في شيء بقدر حديثنا عن القضايا والمشكلات السياسية. لا يستهوينا الترفيه ولا تشغلنا الثقافة بأشكالها ومستوياتها المختلفة. وعندما يزور احدنا البلاد الأخرى فإن اهتمامه ينتقل من السياسة إلى الأسواق التي هي الأخر تشغلنا بكل جديدها وتفرغ كل ما في جيوبنا.

ويمثل هذا الانشغال والاهتمام جزءاً أساسياً من حياتنا ومن فضائنا المحلي والقومي. فنحن منشغلون بإسرائيل وما تفعله فينا كما إننا منشغلون بما «تخطط» له أميركا لنا. ويمتد هذا الانشغال إلى جيراننا في لإطار الإقليمي. فإيران وبفعل تنامي قوتها العسكرية ونفوذها في المنطقة وبفعل صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في فضائنا المحلي والإقليمي، هي الآخر قد دخلت في اهتمامنا.

البعض يكتب عنها بإعجاب كقوة قادرة على أن تقول لا للولايات المتحدة الأميركية والبعض الآخر ساخطا عليها نتيجة ضعفه وقلة حيلته، وهي حالة باعتقادي قد قادتنا للإعجاب كثيرا بأداء رئيس الوزراء التركي أردوغان في مناظرة دافوس أمام الرئيس الإسرائيلي، وصمت أميننا العام العربي أمامه.

وبات البعض منا يطالب بدور أكبر لموازنة الخلل الذي لا نستطيع إصلاحه، وكأن التاريخ يعيد نفسه لصراع جديد بين الدولة العثمانية والفارسية في فضائنا العربي.

وتحتل السياسة بهذا جل نشاط ما قد يسمى تجاوزا بالمعارضة السياسية العربية، وأن كان لها اهتمامات أخرى فإنها لا تدخل إلا من البوابة السياسية. ولا ينشغل أهل السياسة في المنطقة العربية بالقضايا الثقافية والاجتماعية أو الترفيهية الأخرى. فهي أدنى، في اعتقادهم، من أن تحتل مركز الاهتمام، وإن جاءت فإنها تأتي من باب اهتمامها الواسع بالسياسة.

ولم أسمع أو أقرأ عن سياسي عربي، كان مهتما ومفتونا بأحد الفنون الثقافية: كالمسرح والموسيقى والرسم والنحت والرقص والسينما والعزف وغيرها، بمثل عدم سماعي لأي من سياسيينا أو أغنيائنا قد وهب جزءا من ثروته أو أرضه للتنمية الثقافية أو بتشييد مؤسسة للمعرفة أو حتى للترويح.

وتدخل السياسة في كل نواحي حياتنا وفي ديننا الذي بات وبفعل عمليات التسييس التي جاءت عليه خلال السنوات الماضية، وبفعل لبوسه السياسية المختلفة مصدر شقاق بين المسلمين، ليس لاختلاف في الدين وإنما لخلاف في السياسة.

من هنا تفتقر أحزابنا وجماعاتنا السياسية العربية لأي اهتمام غير اهتمامها لما قد يسمى بتعاطي السياسة الفجة والمؤدلجة وغير المُأنسنة. فأحزابنا السياسية وأفرادها قد انصب جل اهتمامهم بالمواقف السياسية في الداخل والخارج، وفيما يختص بحقوق الإنسان والحريات ومداها للأفراد والجماعات وبقضايا تداول السلطة وبما فعلته إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بنا، وقد يمتد ذلك للقضايا الاقتصادية الكبرى.

وهي في هذا نتيجة لطبيعتها الأيديولوجية فأن اهتمامها لا ينصب إلا على المشكلات السياسية وليس على تطوير فهم هذه المشكلات وعلاجها. ولا أعتقد أنها معنية مثلا بتطوير الحدائق أو توسعة دائرتها أو بتطوير أداء العملية التعليمية أو بإنشاء المسارح والمعارض والمنتديات وغيرها. أي أنها غير معنية بتطوير أو تحريك بؤرة اهتمامها مما أسميه بالسياسة «الفجة» إلى السياسة المُانسنة.

فلم تتبنى أيا من القوى السياسية الخليجية الموسومة بالمعارضة أو تلك الموسومة بالمولاة، أيا من القضايا الثقافية ذات الثقل المركزي في التنمية الحضارية. فلم ينشغل أعضاء البرلمان البحريني والكويتي مثلا بأي من القضايا الثقافية التي نعرفها، وإذا انشغلوا بها، فإن انشغالهم قد يأتي من باب تضييق الخناق بها أو بوأدها، عن الانشغال والاهتمام بتطويرها.

بل أن أيا منهم لم يكن يوما يعرف بأنه ذو اهتمام ثقافي سابق قبل أن ينزل علينا في عالم السياسة. كما وكلنا يعرف ماذا فعلت هذه الكتل بمصفوفة الحريات المدنية في المجتمع الكويتي، وهي مؤهلة لأن تفعل ذات الشيء في حالتها البحرينية. بل أن بعضهم قد سمح لنفسه بإقامة محاكم تفتيش، ينبشون ما في النفوس وما في الكتب ويؤلبون المسلم على أخيه، حتى أن بعضهم قد طالب بمنع دخول الشاعر والأديب العراقي معروف الرصافي وكتبه للكويت غير عارف أنه قد توفي في أربعينات القرن الماضي، أي قبل أكثر من الستة عقود..

وهم ونتيجة لطبيعة لتكوينهم الأيديولوجي فإن الثقافة في مفهومها الواسع هي محط شك دائم لهم. فهي تمثل غزوا أو اختراقا أو تغريبا ثقافيا أو هدم لموروثاتنا الاجتماعية والثقافية وقد يروا فيها أحيانا تعارضا لقيمنا الدينية.

وهو ما يظهر حقيقة أن الجوانب الحضارية مغيبة عن الأجندة السياسية لهذه القوى والجماعات والكتل، وأن «السياسة الفجة» هي المُشَكل لكل خطابها. وهي في مواقفها من ذلك لا تختلف عن موقف الجماعات البروليتارية التي وجدت في فنون الأوبرا والباليه والموسيقى وفنون الرسم والنحت، وبعضا من الحريات المدنية بعد سقوط النظام القيصري في روسيا، نوعا من الترف البرجوازي الذي لا بد من وئده أو القضاء عليه. إنها دون شك حالة تأتي كنتاج لسيادة ثقافة الأطراف والهوامش على ثقافة المراكز والحواضر وهي كذلك نتاج لسيادة المقولات الشمولية الكبرى على الأخرى ذات الثقل في التحول الحضاري.

كاتب بحريني

rbaqer@gmail.com