كما كان متوقعاً، جاءت الانتخابات الإسرائيلية، بالجوارح إلى مطبخ القرار. ولم يكن في ذلك ما يفاجئ. مجتمع مشحون إلى آخر الحدود، بالروح العدوانية ويذهب إلى صناديق الاقتراع؛ تحت يافطة «الموت للعرب»، ليس بإمكانه أن يختار غير من يرى فيهم رموزاً لمثل هذه الكراهية الدموية. الباقون، ليسوا من قماشة مختلفة. فقط يخفون أظافرهم، بخبث.
لكن مع ذلك، مجيء هذه التشكيلة، وبالتحديد الصاعد منها لأول مرة إلى الصفوف الأمامية، على ظهر موجة عنصرية فاقعة، جاهرت بحمل لوائها؛ ليس من دون مدلول. في ما مضى وخلال سنوات «عملية السلام» وما آلت إليه؛ كان يقال وعن حق، أن إسرائيل غير جاهزة للسلام. نسفت كافة المبادرات والصيغ وأفرغت كل جولات المفاوضات؛ لأنها ليست في وارد النهوض بمقتضيات التسوية المقبولة.
ما أرادته باستمرار، الأرض والأمن معاً. أما الشعب الفلسطيني فهو مطالب بالتسليم بهذا الأمر والاكتفاء بسلامته الجسدية فقط. حجبت هذا الهدف الاستراتيجي، بالمفاوضات والمؤتمرات والاتفاقيات، التي لم ينتقل أي منها، إلى حيّز التنفيذ. حرقت الوقت باللف والدوران والمماطلة، على غير انقطاع.
الآن، بعد بروز هذه التركيبة الجديدة، لن يكون من المستغرب، إذا اعتمدوا التعجيز، بأشد صوره؛ بحيث يصبح عقد جولات التفاوض بحد ذاته، معجزة. فالطاقم القادم لا يخفي شروطه العنصرية. وخاصة أن من بينه من سبق له أن تنكر لاتفاقيات، تظاهر القبول بها؛ من دون أن يدفع أي ثمن. واشنطن، التي كانت الراعية يومذاك؛ تجاهلت الموضوع وابتلعت، كالعادة، تراجع رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتانياهو.
المبعوث الخاص للرئيس أوباما،يستعد للعودة ثانية، إلى المنطقة، أواخر الجاري؛ كما قالت الوزيرة كلينتون. طبعاً إذا كانت الحكومة الإسرائيلية الجديدة قد أبصرت النور. وتردّد انه قد يحمل معه «مبادرات». واضح أنها ستكون مفصّلة على قياس المستجدات، التي أفرزها العدوان على غزة، كما التي أفرزتها الانتخابات الإسرائيلية.
السوابق تقول، إن أي صيغ يتم نسجها على قياسات المعادلة الإسرائيلية الداخلية، محكومة بالوقوع في شرك التملّص، الذي تتقن تل أبيب فنونه وألاعيبه. فهذه لعبتها المفضلة، التي مارستها كافة حكوماتها المتعاقبة. ومارستها بارتياح، لأنه ليس عليها حسيب ولا رقيب. بل كانت تحظى بالحماية التامة من جانب واشنطن.
الرئيس اوباما يعرف وقائع هذا السجل تمام المعرفة. وها هو اليوم أمام واقع إسرائيلي مغرق في العسكرة والتحدّي. هذا الأخير يدرك «مونته» على واشنطن، عبر مفاتيحه العديدة والنافذة في الساحة الأميركية. لكن الرئيس لا تخفاه قدرة البيت الأبيض على ليّ ذراع إسرائيل، لو أراد. فهل يوقف التمرد الإسرائيلي عند حدوده؟
