تصريحات الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف بدأت مرحلة جديدة في الأزمة بين أوكرانيا وروسيا، ويبدو أن موقف موسكو الداعي لإلزام أوكرانيا بتعويض خسائر البلدان الأوروبية التي نجمت عن وقف ترانزيت الغاز، لا يستهدف فقط عدم تحميل روسيا مسؤولية هذه الخسائر، وإنما يتضمن أيضا ممارسة ضغوط سياسية على الحكومة، في إطار إعادة ترتيب النفوذ الروسي في مناطق الفراغ السوفييتي السابق.

والذي يتمثل في بسط النفوذ العسكري الروسي على مناطق وسط آسيا بواسطة قوات الانتشار السريع التي قررت منظمة الأمن الجماعي تأسيسها، وتوحيد أنظمة الدفاع الجوي بين روسيا وبيلاروسيا، وأخيرا العودة إلى قاعدة ماناس القرغيزية بعد إجلاء القوات الأميركية عنها.

ولم تقتصر بوادر الحرب الاقتصادية على الغاز وتداعيات أزمته، وإنما بدأت الشركات الروسية التي تعمل مع القطاع الصناعي الأوكراني بتقليص تعاونها مع المصانع الأوكرانية، حيث توصلت شركتان حكوميتان روسيتان تشرفان على مجمع الصناعات العسكرية وقطاع صناعة الطائرات في روسيا إلى اتفاق لإنهاء استيراد ما يدخل في صناعة الطائرات الروسية من أوكرانيا، والتحول لإنتاج مكونات الطائرات الروسية في روسيا. وكانت روسيا تستورد من عدد من المصانع الأوكرانية الواقعة في زابوروجييه وكييف ودنيبروبتروفسك وخاركوف، محركات الطائرات وقطع غيار لها.

ويسود في روسيا اعتقاد بأن أزمة الغاز قد تم افتعالها بهدف إضعاف نفوذ روسيا في وسط آسيا، وافشال مساعيها لتشكيل تكتل اقتصادي يضم دول الفراغ السوفييتي السابق، وأيضا بهدف تشويه سمعة روسيا لدى الأوروبيين بجعلها مصدرا غير مضمون للطاقة. في نفس الوقت الذي تصر موسكو فيه على التعامل مع هذه الدول من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي تعاني اقتصاداتها من أزمات متلاحقة بأسعار وقواعد السوق الأوروبي متجاهلة قدرات وإمكانات هذه الدول.

وطالما كان يطرح على هذه الدول خيار إما التعامل وفق أسعار السوق العالمية أو فسح المجال لهيمنة الشركات الروسية على القطاعات الحيوية في اقتصاد هذه البلدان. وقد عانت بيلاروسيا من أزمات متنوعة في إطار تعاونها مع شركة (غاز بروم) التي حاولت بسط هيمنتها على قطاع الغاز البيلاروسي. كما واجهت أوكرانيا مخاطر توقف امدادها بالغاز بسبب إصرار (غاز بروم) على اختصار فترة السنوات الثلاث التي توصل اليها بوتين ورئيسة الحكومة الأوكرانية تيموشينكا الخريف الماضي، والتي تقرر أن يتم رفع سعر الغاز خلالها تدريجيا من 180 دولارا للألف متر مكعب إلى 280 دولارا.

واختلفت قواعد التعاون الاقتصادي بين روسيا وطاجكستان، فبعد أن تقرر بناء محطة (روجانسكي) لتوليد الطاقة الكهربائية، تراجعت روسيا عن اتفاقها بحجة انها تريد التأكد من أن هذه المحطة لن تسبب أضرارا بيئية أو تؤثر على مصالح الدول المجاورة، بعد أن اعترضت أوزبكستان على المشروع. وكان مشروع بناء هذه المحطة قد تقرر تنفيذه منذ السبعينات في ظل الاتحاد السوفييتي، وتعثر لأسباب مختلفة، وتم التوصل مؤخرا إلى اتفاق بين روسيا وطاجكستان على تشييد هذه المحطة، خاصة بعد توقفت إمدادات الكهرباء التي تحصل عليها طاجكستان من تركمانيا عبر أوزبكستان.

ويبدو أن موسكو تعيد بناء علاقاتها مع دول الفراغ السوفييتي بهدف بناء تكتل اقتصادي، على أساس هيمنة الشركات الروسية على القطاعات الحيوية في اقتصادات هذه الدول. إلا أن هذه السياسة لن تؤدي لبناء تكتل فاعل متماسك، لأنها تعتمد اجتذاب الحلفاء عبر الضغط عليهم، في حين ان المصالح الحقيقية المشتركة بين هذه الدول يمكن أن تكون قاعدة صلبة لتحالف هذه الدول.

دول وسط آسيا والقوقاز وأطراف الاتحاد السلافي تداخلت مصالحها الاقتصادية والأمنية على مدار عشرات السنين، ومازالت توجد أرضية واقعية للتعاون وتبادل المنفعة، ولابد من الإدراك بأن هذا المدخل يستجيب للرؤية الروسية، بينما سيضر سعي الشركات الروسية للهيمنة على اقتصادات هذه الدول بالمشروع الروسي.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru