عرفت دولة الإمارات العربية المتحدة على يد الشيخ زايد آل نهيان واخوانه حكام الإمارات، بسياستها الخارجية المعنية بالتوازن في شتى المواقف الدولية والتأني في اتخاذ قراراتها إزاء كل قضية معقدة بحاجة للتروي والتحليل العميق، فقد بدت سياستها العربية واضحة بحرصها على الاخوة العربية ووحدة صفها، وإبعاد الغرباء عن أي تدخل خارجي في مسألة قومية وعربية تهم مصير هذه الأمة ووحدتها المعرضة دائماً للتفتيت منذ وقت طويل، بل ومنذ دخول العرب الألم العربي الفلسطيني.
وتعمق جراحاته المستمرة في قضايا إقليمية ودولية، كثيراً ما حاولت شق الصف العربي، سواء في محافلها الدولية أو الإقليمية، فكانت دولة الإمارات حريصة للغاية على تمتين وحدة اللحمة العربية عندما تهب رياح عاصفة محاولة أن تهد البيت العربي من خارجه، بدلاً من الاصطفافات الغريبة في المنطقة، والتي تحاول انتزاع المشعل العربي من يديها ونقله من مركز الجامعة العربية وبلدانها الرائدة منذ وقت طويل كجمهورية مصر العربية.
والتي سعت في كل الظروف الاحتفاظ بثوابت سياساتها إزاء القضايا العربية، حتى وان مرت بظروف صعبة كالحروب والقضايا الاقتصادية الطاحنة، فلا يجوز من مثقفي الانفعال والمزايدة خلط الأوراق السياسية والاستراتيجية والثوابت المبدئية في أية قضية من القضايا، إذ من المعلوم أن التقليل من قيمة وحجم جمهورية مصر وشعبها هو في نهاية المطاف تقليل من قيمتها الجيو- بوليتية ودورها الفاعل في الحفاظ على توازنات قارية ثلاث تمسك مصر بأوراقها. من يصفون أنفسهم، القوميون العرب الجدد !!
والذين لم يستوعبوا دروساً عمرها تجاوزت العقود الخمسة، لم يلتفتوا إلى كل المسننات الضخمة في العجلة العالمية التي أصابت عالمنا من متغيرات كبيرة بغياب إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفييتي، والذي جعل العالم العربي قوة مشتتة ومتخلخلة بعد غياب حليف هام مع حركات التحرر العربية وأنظمتها المستقلة، تقسيمنا إلى محاور!.
فماذا كان ينبغي علينا فعله في الجامعة العربية ؟ وهل من الأفضل أن يعمل العرب فرادى وكتلا سياسية ممزقة ومحاور عدة في زمن تميز بقوة الكتل السياسية ؟ الاقتصادية أم نكون موحدين؟
من يسقطون في غمرة حماسهم وتزمتهم وتشددهم السياسي، وانخراطهم وتقلباتهم بالانقياد لدول خارج الإطار العربي تارة، والمبالغة في العدمية والعبث السياسي تارة أخرى، ينسون أن اللعبة السياسية المتوازنة دون تفريط بثوابت محددة أهم من المزايدات، كالاحتفاظ بقوة عربية لها كيانها وعلاقاتها الداخلية عبر الجامعة العربية ـ التي مهما وجدنا سلبياتها ـ تبقى إطارنا وقيمتنا الخارجية وثقلنا السياسي عالميا وقاريا.
من تلك المنطلقات والحرص العربي، كانت الإمارات تسعى بهدوء لمعالجة كل أزمة سياسية طاحنة. ما كان يهم الإمارات منذ التأسيس أن تبقى قومية القضية أهم جانب مفصلي بين الاخوة العرب، فكان التشاور والتنسيق لب فلسفتها عندما تجد أن اللحظة مواتية للشروع في دعوة الأشقاء لمناقشة وإكمال مسيرة الحوار، فالتواصل السياسي في تناول أية مسألة وأزمة ناشبة ضروريا، ومسك الحلقة الأساسية في ؟
اللحظة التاريخية- لتفكيك عنوان الأزمة، والشروع نحو تجاوز مرحلة الجليد العربي، فقد ظلت الإمارات دائما تذيب كل الثلوج العربية المتجمدة بين الأشقاء العرب. ما دعت له قمة أبو ظبي بدا واضحا للذين يقرأون العربية دون مواربة فتصريحات سمو وزير خارجية الإمارات لا تحتاج إلى تأويلات واستفسارات بلغة أعجمية، حاول مثقفو اللحظة! وركوب موجات التأزيم أن يدقوا في اسفينها، لكي يجعلوا الجسد العربي أكثر اتقاناً ، يفوق جراح غزة الممزقة بوحشية البربرية الإسرائيلية.
لم تكن الأنظمة العربية تراقب المشهد بسلبية كما عملت طاحونة التطرف بركوب موجة الشارع وتأليب الناس على واقع سياسي ، هو من نحتمي به، وبدلا من توافق الأنظمة مع شعوبها لحظة الأزمات الكبرى، تم نقل الجبهة المعادية للحرب والبربرية إلى جبهات عربية داخلية لا تفهم إلا خطاب التواطؤ والتخوين، وكأنما الشعارات تمنح الشعب المنكوب خبزا ودواء وسقف بيت ومدرسة، أو تمنح ذلك الشعب حيوية التحرك الخارجي العالمي، الذي لن يتحقق دون قوة دفع الأنظمة العربية موحدة، أنظمة تمتلك قرار الضغط وقوته. فلماذا تقوم آلة الدعاية الحمقاء بقراءة قمة أبو ظبي برؤية عمياء وطنطنة كلامية لن تنفعنا شيئا في صراع عالمي مرير له تعقيداته ؟
لماذا حاول مروجو الفخاخ والثعالب ما كان واضحا وضوح الشمس عن قيمة وأبعاد قمة أبو ظبي، فقد قال سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية ، بلغة عربية فصيحة، لا تحتاج لتفسيرها قواميس أجنبية وخارجية، عن ان لقاء أبو ظبي هو لقاء تشاوري وتنسيق مستمر فهناك سلسلة لقاءات قادمة واستكمال لقمة الكويت وتوصياتها، مؤكدا أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فهل نحتاج أكثر وضوحا عن أهمية وحدة المنظمة ووحدة الصف العربي.
وبأنه هو الخطاب السياسي العربي للإمارات، خطاب لم يتغير أو يهتز مهما عصفت الرياح بهذه الأمة وبهذه القضية التي عاشت وعاش شعبها جراحا وآلاما. ما ينبغي علينا التمسك به كثوابت هو الحفاظ على وحدة الصف العربي ووحدة الجامعة العربية ووحدة الشعب الفلسطيني، أما لغة الخطابات السياسية الرنانة والتفكير والنهج السياسي المتطرف، والارتماء للغرباء بحثا عن الخلاص كبعض مثقفينا وساستنا، فهي لن تزيد مأساتنا إلا عمقا في جراحاتها. ما ينتظره الشعب الفلسطيني من ضرورات في غزة هو إنقاذه من كارثة مخلفات الحصار والحرب.
ولن يكون إلا بإعادة اعمار غزة حجرا على حجر وبيتا بيتا، وتشغيل كل مرافقها لتبدأ الحياة، فبعد لقاءات قمة أبو ظبي وسلسلة اللقاءات المرتقبة، هناك لقاء في مارس لمؤتمر المانحين، وهو المهم لمعضلة غزة الاقتصادية والمعيشية، بل ومهم لمواصلة مصر في متابعة مبادرتها للتهدئة، فلا يمكن أن تتحرك عجلة الحياة في غزة تحت صوت القذائف والصواريخ والموت المتبادل. بل ولن تتحرك الحياة بين شعب منقسم يتخبط في متاهة الحل.
كاتب بحريني