تستعد منطقة الشرق الأوسط لاستحقاقات في غاية الأهمية خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، وذلك انطلاقا من الحركة الانتخابية التي ستشهدها بعض الدول ذات الثقل الواضح في معادلة الصراع القائم. فمن إيران، حاضنة الثورة الإسلامية المتجذرة في أهدافها والطامحة باستمرار لتغيير معادلات القوة والنفوذ، إلى إسرائيل الممعنة في تفوقها الواضح على كل من شاء قدره أن يكون جزءا من المعادلة الثابتة، ومرورا بلبنان الصغير، لكن القوي جدا في ما يخص تأثره في حركة الصراع وفق السيناريوهات الإقليمية التي لا حول له فيها ولا قوة.
وفي خضم هذه الحركة الشاملة تبدو الساحة الفلسطينية الأكثر تشتتا في ما يخص استحقاقات المرحلة الانتخابية، وهي التي كان مطلوبا منها بقوة أن تمارس الأداء الديمقراطي الصحيح الذي أظهرته في العهد الانتخابي الماضي، وخصوصا في هذا الوقت الذي أصبحت فيه القوى المؤثرة مطالبة أكثر من أي وقت آخر بإثبات حجم تمثيلها الشعبي الذي سيعكس تاليا النهج الذي سيحرك تفاصيل النضال الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة على أكثر من صعيد.
ان تجارب الأسابيع والأشهر الماضية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، بأن القوى الفلسطينية مطالبة بإلحاح بتقريب المسافات بينها، في وقت بدت فيه الشعارات المطروحة من قبلها خطيرة في انقسامها وتباعدها، ومؤثرة في رسم ملامح الصورة الحالية للوضع الفلسطيني برمّته. وكما توقع كثيرون ونحن منهم، فإن هشاشة التلاقي الأخوي سيلقي حتما بظلاله على حال الشعب المعذب أصلا، ولن يساهم قيد أنملة بتغيير الأمور إلى الأفضل.
أما الوضع على الصعيد الدبلوماسي فحدث ولا حرج، حيث لا يمكن توقع الكثير في هذا المجال طالما أن أبناء الشعب الواحد منقسمين في خياراتهم الإقليمية والدولية، لا بل هم منقسمون حتى في خياراتهم الوطنية الشاملة، وخصوصا في ما يتعلق بكيفية قيادة الشعب، واستمرار «النضال»، وتحديد الأهداف الاستراتيجية المفترض تبنّيها.
إن هذا يزيد بلا شك من هشاشة المشهد الفلسطيني المفترض أن يكون قويا في الوقت الحاضر استعدادا للاستحقاقات الإقليمية المختلفة، لا سيما أن نتائج الانتخابات في الدول الأخرى المحيطة ستكون ذات تأثير مباشر على الساحة الفلسطينية، وخصوصا في إسرائيل التي تتسابق قواها الطامحة للفوز في الانتخابات المقبلة في كيفية الإمعان بقمع كل من يتجرأ على التحرك خارج إطار الحدود المرسومة.
المرحلة ستكون حساسة حتما لأن نتائج الانتخابات المذكورة ستحدد مجموعة من الخيارات الاستراتيجية التي لا نعلم حتى الآن في أي اتجاه ستكون. لكن يبدو من المنحى العام الذي تُظهره الحركة الدبلوماسية على الأقل، بأن تلك الخيارات ستتحدد وفق منطق القوى التي ستسيطر على دائرة صنع القرار، لكنها لن تختلف كثيرا عن الحالة العامة التي كانت سائدة حتى هذا الوقت.
فإذا انتصرت القوى المحافظة في إيران سيبقى نهج هذه الدولة الإسلامية مماثلا لما كان عليه سابقا، لكنه لن يختلف كثيرا، على الأقل في المضمون والتوجه الاستراتيجي الشامل، في حال فاز من يعرفون بالإصلاحيين. فهؤلاء جميعا يتشاركون في مبادئ الثورة الإسلامية التي تشاركوا في قيادتها وبالتالي لن يختلف حسب رأيي إلا أسلوب الأداء السياسي والدبلوماسي ليصبح ربما أكثر أناقة مما نراه في عهد الرئيس الحالي.
ولا يختلف الوضع كثيرا في إسرائيل التي تتبنى جميع القوى فيها خيارات استراتيجية واضحة في ما يخص الدفاع عن كيان الوطن. وحسب رأيي فان اللعبة الديمقراطية في إسرائيل ليست قادرة على فرض التغييرات الجذرية وإن كانت قادرة على تشذيب بعض النتوءات التي لا يمكن هضمها من قبل العالم في ما يخص الخيارات الاستراتيجية التي سبق الحديث عنها.
وبالتالي، لا يعتقد أحد أن هذا الطرف الإسرائيلي سيكون أفضل من ذاك، فلقد أثبت لنا باراك وبيريس وغيرهم من «حمائم السلام» أنهم قادرون أن يكونوا وحوشا مفترسين عندما تدعو الحاجة لذلك، كما أثبت لنا آخرون بأنهم لن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.
أما الوضع اللبناني فسيبقى كما عهدناه دائما مشتتا متضعضعا برغم اللعبة الديمقراطية الجذابة التي يتقن اللبنانيون صياغتها وممارستها. فكيف سيتمكن بلد تتقاسمه أطياف وطوائف مختلفة الألوان من الولوج إلى مرحلة التطور الحقيقي، في وقت لا تزال فيه الدولة المركزية تستجدي المعلومات الأمنية أو غيرها من قوى محلية فاعلة يعتبرها قسم كبير من اللبنانيين بأنها خارجة عن سيطرة الشرعية.
ويبدو أن نتائج الانتخابات المقبلة لن تكون ذات تأثير كبير في تغيير مسار التوجه الرسمي اللبناني، لسبب بسيط وهو أن هذا التوجه محكوم بقاعدة التوافق الفريدة التي لا يستطيع أي فريق الخروج عنها بأي شكل من الأشكال. ما قد نشهده على الصعيد اللبناني هو مجرد محاولة لإعادة إثبات النفوذ والحجم الشعبي المزعوم، مع إيماني العميق بأن أي تمثيل سيتمخض عن هذه الانتخابات سيبقى مطعونا في شرعيته بسبب ما هو معروف عن الطريقة السيئة التي يتم اتباعها في جميع الانتخابات اللبنانية والتي ليست عادلة بأي شكل من الأشكال.
الفريد في الأمثلة الثلاثة التي ذكرتها أنها، وبرغم اختلاف مشاهدها وانتماءاتها الايديولوجية وما شابه، تعكس أهمية تأثير العملية الديمقراطية على مسار الوضع العام في المنطقة، وكذلك على سمعة هذا البلد أو ذاك في المحيط العالمي الأوسع الذي لا يخجل بتقسيم الدول بين ديمقراطية وشمولية وما شابه.
وحده الشعب الفلسطيني سيبقى على ما يبدو محروما من جمال هذه العملية ، وهو الذي كان قد مارسها قبل أعوام بكل ثقة وثبات عندما قال كلمته واختار ممثليه. هل هي مؤامرة ضد الحلم الديمقراطي الفلسطيني؟ ربما! لكن يجب الاعتراف بأن الأزمة الحالية هي بكل تأكيد أكبر بكثير من طموحات هذا الشعب المعذّب.
كاتب لبناني
